مريض وطبيب وحصار.. ثلاثية الصبر والصمود

syria-hospital2.jpg

مواطنون يتلقون العلاج في مدينة دوما بريف دمشق بعد غارة للنظام السوري أيلول 2014 (رويترز)

حنين النقري – عنب بلدي

أثّرت الحرب في سوريا وظروفها على مختلف القطاعات، ولعلّ من أكثرها تضررًا القطاع الصحي. فمنذ بداية الثورة كان الأطباء والعاملون في القطاع الطبي على رأس الأسماء في قوائم المطلوبين للنظام، وبعدها أضحت المشافي والنقاط الطبية أبرز الأهداف لطيرانه وصواريخه، ما أدى لتدهور حال الطبابة في سوريا بشكل كبير.

من بين 514 مشفى عامًا وخاصًا في سوريا، توقّف ما يقارب النصف منها عن العمل، وتوقّفت 90% من الصناعات الدوائية عن الإنتاج. وفي حين كانت حصة الطبيب الواحد من المرضى هي 661 مريضًا عام 2010، أضحى لكل 4041 مريضًا طبيب واحد في عام 2014.

ولئن كانت الأرقام بهذه الكارثية في عموم سوريا، فهي أشد سوءًا بالتأكيد في المناطق المحاصرة والمستهدفة من قبل النظام، فكيف يتابع الأطباء حياتهم وعملهم فيها؟ وكيف يروي لنا المرضى تجاربهم ما بين المرض والشفاء؟

الطبابة في الغوطة الشرقية قبل الثورة

كانت مدينة دوما تُخدّم قبل الثورة بثلاث مشافٍ خاصة، ومشفى حكومي، ومستوصفين وما يقارب 300 طبيب، حسب الدكتور سيف الدين خبية، أحد أطباء الهلال الأحمر السوري- شعبة دوما، وخبير صحي في المجلس المحلي للمدينة. ويتابع “وفي باقي مناطق الغوطة يوجد مشفى النشابية ومشفى حرستا الحكوميان، بالإضافة لمشفيين خاصين في عربين وكفربطنا، والعديد من المستوصفات الحكومية”.

يستدرك الدكتور سيف بأن هذه المشافي جميعها تعرّضت للقصف بشكل كامل أو جزئي، ما جعلها تخرج عن الخدمة، ويقول “مع بداية الثورة تم إغلاق العديد من المشافي من قبل النظام، وقُصفت المشافي العاملة منها لتخرج عن الخدمة، لذا تم نقل العمل الطبي إلى أقبية تحت الأرض بشكل متباعد ومتفرق درءًا لقصفها، هذه الأقبية غير مجهزة لأن تكون مشافي لكن الواقع الأمني فرض ذلك”.

بحثًا عن الأمان

يتحفّظ الدكتور سيف على ذكر عدد النقاط الطبية أو الأطباء الموجودين حاليًا في الغوطة، لحساسية هذه المعلومات أمنيًا، لكنه يؤكد أنه بالإضافة لأعداد المعتقلين والشهداء في صفوف الأطباء فإن الكثير من الكوادر الطبية خرجت من الغوطة، “فالإنسان يبحث عن الأمان في النهاية”، حسب تعبيره.

وبحسب الدكتور فإنه لا يمكن تقييم الواقع الطبي في الغوطة، على أنه “جيد” أو “سيئ”، فهو مرتبط بالعمليات العسكرية ومدى التصعيد، ويضيف “لك أن تتخيلي أننا نستخدم نفس المعدات والأدوات منذ عام 2011، وقد باتت مستهلكة تمامًا أمام الضغط الكبير لأعداد الجرحى والمصابين، أضيفي إلى ذلك خروج العديد من الأجهزة عن الخدمة أثناء عمليات القصف التي تستهدف المشافي والنقاط الطبية، وكذلك توقف أجهزة عن العمل بسبب عدم وجود مختصّي صيانة لها في الغوطة”.

إعادة تدوير المستهلكات الطبية

سوء حال الأدوية في الغوطة الشرقية اضطر الأطباء للعديد من الحلول، يقول الدكتور سيف “في كثير من الأحيان نستخدم أدوية منتهية الصلاحية لعدم وجود بدائل وبسبب الحاجة الملحة لها، هناك الكثير من الأصناف المفقودة وحتى ما يتوفر من الأدوية أسعاره مرتفعة ولا يحقق الكفاية، ما دفع الكوادر الطبية لتصنيع بعض الأدوية في الغوطة أيضًا”.

ويشير إلى أن المواد الطبية التي أدخلتها قوافل الأمم المتحدة غير كافية ولا تتضمن أي مواد جراحية، “لم يدخل عبر القوافل أي مستهلكات جراحية أو مواد تخدير أو حتى أدوية مضادات حيوية، نضطر لإعادة تدوير بعض المستهلكات والترشيد الشديد باستخدامها، مثل الخيوط الجراحية ومواد التخدير التي نعاني من نقص دائم منها نتيجة الحصار وكثرة الاستخدام بسبب أعداد الجرحى”.

الخدمةممتازةرغم كل شيء

يؤكد الدكتور سيف الدين أنه رغم كل الصعوبات التي ذكرها، فإن الخدمة المقدمة من قبل الكوادر الطبية في مشافي الغوطة لا تضاهى، ويشرح بمثال “منذ عام تقريبًا بتاريخ 16 آب 2015 استُهدف السوق الشعبي في دوما بالقصف، وسقط على أثر ذلك ما يزيد عن 150 شهيدًا و500 جريح، لكن الكوادر الطبية تمكنت من التعامل مع المأساة وتضميد جراحها دون مساعدات خارجية”. ويتابع أنه لو حصلت كارثة مماثلة في دولة أوروبية لأُعلنت حالة الطوارئ الطبية “الخدمة المقدمة هنا تعجز الدول المتقدمة عن تقديمها”.

ويضيف الدكتور أن الأطباء الموجودين في الغوطة حاليًا مهرة، ويغطون معظم الاختصاصات الأساسية، “لكن هناك نقصًا في الاختصاصات الفرعية الداخلية والأطفال”.

يشاركنا الدكتور أرقامًا عن الخدمات التي قدمتها النقاط الطبية في الغوطة: “سقط منذ بداية 2012 قرابة 100 ألف جريح، وأجرينا 15 ألف عمل جراحي، استقبل قسم العناية المركزة 5500 قبول، للأسف هناك 600 إعاقة دائمة إما شلل أو بتر أحد الأطراف نتيجة الأوضاع الكارثية في دوما وحدها”.

أن تكون مريضًا في الغوطة الشرقية

يعني أن تشعر بالامتنان لكل مبضع جراح مازال متمسّكًا بتقديم المساعدة للمدنيين فيها، وهو ما يخبرنا عنه محمود (18 عامًا)، بخاطرة كتبها بعد خروجه من غرفة العمليات لاستئصال كتلة في جسده:

أن تعمل كطبيب في الغوطة الشرقية

أن تعمل كطبيب في الغوطة الشرقية يعني أن تعمل لما يزيد عن 100 ساعة أسبوعيًا، في نقاط طبية متفرقة ومتباعدة بسبب نقص الكوادر الطبية وكثرة الجرحى والمصابين “وهو أمر يؤثر على الحياة العائلية بشكل كبير، زوجتي دائمة الشكوى من انشغالي المستمر وأطفالي يشتاقون وجودي معهم”. لكن الصعوبة “الأكبر” هي القصف اليومي والأعداد الكبيرة من الجرحى، “أتعذب برؤية الأشلاء يوميًا وملامسة مآسي الناس وخوفهم الدائم من القصف”.

الأمراض لا تعترف بالحدود

وعن الأمراض الأكثر انتشارًا في الغوطة، يعتبر سيف الدين أنها نفس الأمراض خارجها، “فالأمراض المعدية لا تعترف بالحدود والحواجز”، مضيفًا “لكن لوحظ انتشار الحمى التيفية، والتهاب الكبد الوبائي A، وهي أمراض تنتشر بتلوث المياه والخضراوات بالصرف الصحي”.

كذلك تنتشر في الغوطة بعض الأمراض الهضمية والبولية مثل تشنج القولون وعسر التبول والتبول الليلي عند الأطفال، “بسبب الخوف والقصف”.

من الملاحظات التي لمسها الدكتور، في عمله كطبيب في ظل الحرب، تزايد أعداد المراجعات الطبية والحالات الإسعافية في أيام هدوء القصف، ويفسر ذلك “في أيام القصف الشديد يمتنع الكثير من المرضى عن الخروج من المنازل، وهو ما نلمسه حيث لا يراجع قسم الإسعاف أي مريض يشكو من مشكلة قلبية أو التهاب زائدة دودية، على خلاف أيام الهدوء”.

ويشير إلى وجود حالات صحية فوق الإمكانيات الطبية المتوفرة في الغوطة “مثل السرطان وحصيات الكلى والأمراض القلبية، التي تحتاج إجراءات جراحية”.

مواقف عالقة في الذاكرة

في عمله كطبيب تواجه الدكتور سيف العديد من الموافق الإنسانية القاسية، يشاركنا بعضًا مما علق في ذاكرته منها:

“جاءنا أب يحمل طفله الغريق وقد توقف قلبه، كان مضى على غرقه نصف ساعة في بركة تجميع مياه لأرضهم الزراعية، لم يكن لدينا أمل بإنقاذ الطفل لكننا قمنا بإجراء إنعاش قلبي رئوي له، المعجزة كانت عندما عاد قلبه للنبض بعد نصف ساعة من الغرق، لكننا توقعنا أن يعيش بحالة سيئة نتيجة نقص الأكسجة الدماغي، المعجزة أيضًا أنه خرج بحالة جيدة وصحته اليوم ممتازة”.

“آلمني عندما راجعتني أم مرضعة بشكوى من التعب والدوار، عندما سألتها هل تناولت الإفطار أجابتني نحن نأكل وجبة واحدة يوميًا، تكررت هذه الحالة عندما راجعتني أم معها طفلتها (5 سنوات) بشكوى وهن عام، عندما سألتها تبين أنهم يأكلون مرة واحدة في اليوم وسبب مرضها الجوع”.

يتساءل الدكتور “هل يحتاج الجائع أن يراجع طبيبًا ليكتب له تقريرًا طبيًا بأنه بحاجة الطعام”.

“الحكيم”

إنَّ ما سأكتبُهُ من أفكارٍ كان مدفونًا في طيّات هذا الدماغ في مكان ما، وقد أيقظته صرخات عقلي اللاواعي وأنا أستفيق من التخدير بعد خروجي من غرفة العمليات، قبل ما يقارب اثنتي عشرة ساعة.

كنتُ قد لاحظتُ حجم كتلةٍ في جسمي، وأخبرت عنها خالي الطبيب، أو كما نفضل أن ندعوه “الحكيم”. ذهبتُ مساءً وتوجهت إلى منزله، كان كعادته خارجًا من المسجد عندما أطلعتهُ على التحديثات الأخيرة بشأن الكتلة، وبعد الفحص والمعاينة حددنا موعد العملية في اليوم التالي.

أغمضَ عينيه بقوّةٍ وفتحهما، لشدّة النُعاس والتعب، أعتقدُ حقًا أنَ نومَ العالم جميعًا لن يعوّض تعبَ هاتين العينين.

لم يتردد وتفقّد إتاحة العمليات في اليوم التالي ثم أخبرني بهدوء: “بكرا الساعة 9 بالنقطة 100″، وكتبَ لي وريقةً احتوت تعليمات ما قبل العملية من صيامٍ وتجهيزات، حاولت أن أخفي توتري وقلقي فعلى الرغم من علمي بضرورة هذه الجراحة، كان لا بُدَّ للقليل من الأفكار أن تتصارع في رأسي.

استيقظتُ في اليوم التالي قبل موعد العملية بساعة تقريبًا، وذهبتُ مع والديَّ إلى نقطة العمليات، جلستُ مع أمي حتى يحين موعدي. انتظرنا قليلًا ثمّ أتى أحد العاملين في النقطة وسأل بصوت عال:

– مين كتلة؟
بيني وبين نفسي: أنا كتلة؟
– أي أنا
– تفضل

ازداد خفقانُ قلبي مع محاولاتي المتزايدة لضبطه، تمددتُ على سرير العملية وسرَح عقلي. توقف قلبي عن الخفقان السريع، عاد إلى نبضه المعهود حينما دخلَ الحكيمُ غرفة العمليات بلباس الجراح. لحقتهُ أنظاري بفخر وارتسمت على ثغري ابتسامةٌ قد أحسست بها دونما رؤية، تتبعتُ خطواته الواثقة، وتلاشت كلُّ الأفكار السلبية بعيدًا وعلمتُ أني في أيدٍ تقيّةٍ أمينة بكل ما تحمله الكلمتان من معانٍ، شاهدتُ لمعان عينيّ على نظاراته ولم أشهد لمعانهما من قبل!

دخلَ طبيبُ التخدير وثبّت القثطرة على وريد ساعدي الأيسر، أحسستُ باندفاع المادة المخدرة إلى صَدري تنفّستُ بعُمقٍ بناءً على تعليماته ثُم غِبتُ عن الأجواء، مازلتُ لسببٍ ما أسمع طنين الأجهزة الطبية من حولي يقطعها صوت حازم حنون، لم أفهم كلمة مما قال ولكنني رجّحتُ الظن بأنه خالي، استيقظتُ بعد فترةٍ قيل لي إنها استمرّت ساعتين، وخرجتُ من غرفة العمليات مُحمرَّ العينين مثقلَ الرأس، أحاول جاهدًا إلى الآن أن أتذكّر تلك اللحظات، مازالت تمرُّ أمامي كشاشات توقف، ومضات وأصوات، منها صرخات عقلي الباطن شُكرًا وإعجابًا بشخصية الحكيم، تجسّدت بأدعيةٍ رددتُها تحت التخدير، كما روي لي وكما تذكرت من ومضات، تنوعت بين دعاءٍ لوالديّ، ودعاءٍ للحكيم:

اللهم وفق خالي ماجد
اللهم افتح عليه من عندك علمًا على علمه
اللهم اجزه عني ما هو أهله
اللهم إني أُحبه فيك فسدد خطاه يا رب

لم أكن ممتنًا فحسب، لم يكن الأمر بهذه البساطة، فليس امتناني مجرد عاطفة، على وجودها، إنما هو كغرسةٍ وضعها الله في قلبي منذُ زمن بعيد، وتنامت ورويت من ماء أعمالٍ ومواقفَ وأفعال.

لطالما قدّرت جهوده المبذولة في سبيل الله خدمةً لأهل هذا البلد وسأبقى ممتنًا وسأدعو له ما حييت، لستُ أصنعُ صنمًا أو أبغي تملّقًا، ومازلتُ أعلم أنهُ بشرٌ يصيبُ ويخطئ، وإنما أُنصفُ رجُلًا اعتبرته برأيي الشخصي نعمةً على بلدي.

في الماضي، كنتُ أحدّثُ نفسي عن الصفات التي عليّ أن أجمعها من “قدواتي”

ومع الزمن ارتسمت في عقلي الخطة، إنني ببساطة سأسعى إلى طريقه لأكون أفضل منه، أو مثله، ولكنني سأبلغُ من ثقتي بنفسي وسعادتي ما لا يعلمه إلا الله حينما أصبح قطرةً في بحره.

أعلمُ يقينًا أني لم أوفيك حقك فقد عجزت الكلمات رغم محاولاتي، فتقبّل.

 

تابعنا على تويتر


Top