الانتحاريون الأطفال: «داعش» يُخفق هذه المرة

حازم الأمين – الحياة 

إذا صح ما نُقل عن ضابط عراقي كان في عداد الفرقة التي ألقت القبض على الطفل الانتحاري في مدينة كركوك، شمال العراق، قبل أيام، وهو على الأرجح صحيح، فصراخ الطفل قبل تفجير نفسه وقوله «ابتعدوا عني سأنفجر» هو ما أدى إلى نجاة العابرين، وإلى إنقاذ الطفل من نفسه. والفيديو الذي صُور للطفل أثناء تفكيك الحزام الناسف عن جسمه كشف أنه كان خائفاً ومرتعداً وغير منضبط. فالطفل الذي أمضى وفق اعترافاته فترات تدريب تجاوزت الستة أشهر في معسكرات «داعش»، لم يتمكن التنظيم من نزع الخوف عن وجهه.

والحال أنه وخلافاً لما يشاع عن نجاح «داعش» في تحويل أطفال معسكراته إلى انتحاريين لا يقيمون وزناً لحياتهم، فنسبة فشل العمليات التي كلف أطفال بتنفيذها تبدو أكبر من نسبة فشل تلك التي ينفذها بالغون، على رغم أن شروط نجاح الأطفال في تنفيذها تبدو متوافرة أكثر، لأن الشكوك والرقابة ستكون أقل في هذه الحال.

فقبل طفل كركوك ألقت القوات العراقية القبض على الطفل أسيد برهو قبل تنفيذه عملية انتحارية في مسجد في شمال العراق أيضاً، وأسيد هو من سلم نفسه قبل تنفيذ العملية للشرطة، كما جرت حادثة مشابهة في مدينة الفلوجة. وكل هذا لا ينفي أن ثمة أطفالاً نفذوا عمليات، وكان آخرها تفجير العرس في مدينة عينتاب التركية على يد طفل في الثانية عشرة.

حين يُقدم عنصر من «داعش» تجاوز مرحلة الطفولة على عمل انتحاري، فإخضاع فعلته لتفسيرات تسبق التحاقه بالتنظيم أمر ضروري لفهم كيفية نجاح التنظيم في توظيف قابلية هذا الشاب للانتحار وللقتل، أما إقدام أطفال على تنفيذ أعمال انتحارية، أو محاولتهم ذلك، فالتفسيرات يجب أن تتركز على ماضيهم القريب، ذاك الذي قضوه أثناء تجنيدهم. وهذا على الأرجح ما يُفسر فشل الكثير من عمليات الأطفال. القابلية للانتحار «العادي» لدى الشبان أعلى منها لدى الأطفال وفق النسب العالمية، ويصح ذلك على «داعش» الذي يستثمر لدى الشبان في قابلية سابقة على التجنيد، بينما لدى الأطفال فعليه أن يصنع القابلية، وهذه مهمة لا تلبيها كثيراً مساعيه في إلحاق الأطفال بصفوف التدريب والتلقين على ما تكشف الصور التي يبثها التنظيم على الانترنت.

الانتحار امتداد لضعف ناجم عن إخفاقات وفصامات أحدثتها تجارب وخبرات، وليس لحظة إيمان أوانجذاب إلى فكرة أو فعلة. والضعف في هذه الحال يصيب من أتيح له أن يختبر ويُخفق وينشق عن نفسه. هذا كله قبل أن يأتي «داعش» ليقدم له عرضاً بموت «مشرف»، وأن يمنح لفصامه معنى وقيمة، فيذهب إلى موته متوهماً أسباباً غير الأسباب الحقيقية.

هذه المعادلة لا تصح في حال الأطفال الانتحاريين، فأولئك حين يُنفذون أو حين يفشلون يستعيدون ملامحهم السابقة لتجنيدهم، أو تصميمهم تنفيذ العملية. طفل كركوك، على ما كشف الفيديو، كان يستنجد بالشرطة من نفسه، واعترافاته وكذلك اعترافات الطفل أسيد برهو كشفت أنهما سيقا إلى المهمة زجراً، وما أن لاحت فرصة نجاة حتى تخليا عنها. ولعل ما قاله طفل أيزيدي هرب من معسكر تدريب لـ «داعش» في الموصل أكثر دلالةً على مقاومة الأطفال الفطرية لأشكال العنف الداعشي: «دربونا على أن الذبح يجب أن يتم من أسفل الحنجرة»، وهو قال ذلك من دون أن يُرافق قوله له علامات تأثر واستفظاعٍ. قاله كأنه يقول إنهم يُعلمون الأطفال على أفعال سيئة، لكن هذا السوء ما زال خارجه، ولم يتحول بعد إلى طاقة عنف وقتل. والأرجح أن ما أصاب الفتى جراء تعليمه على الذبح سيظهر لاحقاً عندما يُغادر طفولته، أما الآن فهو طفل لا طاقة له على الانتحار.

إقدام الطفل على قتل نفسه وغيره سيكون فعل لحظة مجردة من أي ماضٍ ومن أي خبرة وأي إخفاق. هو ضغط تقني على صاعق التفجير، جرى لأن ثمة من سيعاقب المنفذ إذا لم يفعله.

الأطفال بهذا المعنى أقوى من الشبان وأقل قابلية للموت «الإرادي»، ذاك أنهم يُدركون أنهم ذاهبون إلى حتفهم من دون توهم معانٍ لهذا الموت. يعرفون أنهم سيَقتلون ويُقتلون، لكن دافعهم إلى ذلك ضعيف وغير راسخ، والرحلة من المعسكر إلى الهدف كافية لتصديعه. هذا ما يُفسر أصلاً الرقابة الشديدة التي يضربها التنظيم حول رحلتهم إلى هدفهم، وإرساله متعقبين وراءهم، وخوفهم من هؤلاء المتعقبين هو ما يحثهم على متابعة المهمة، وما أن تلوح فرصة نجاة حتى يُسلموا أنفسهم.

لكن ليس كل أطفال «داعش» انتحاريين، فمعسكرات الأطفال التي تضم وفق الأمم المتحدة نحو خمسة آلاف طفل من بينهم مئات الأيزيديين الذين سبيت أمهاتهم وأطفال «المجاهدين» القادمين من الغرب ومن شمال أفريقيا ونازحين سوريين وعراقيين، تتولى مهمة أخرى غير إعداد هؤلاء لموت وشيك. فعمر التنظيم في بعض مناطق العراق خمس سنوات، وعمر «دولته» في الموصل والرقة نحو ثلاث سنوات. الانتقال إلى المراهقة في معسكرات «داعش» أمر حدث لمئات الأطفال، وهؤلاء لم يعودوا محصنين بطفولتهم، وهم إذ نشأوا على قيم التنظيم وصاروا مراهقين، صارت دوافعهم للعنف مضاعفة. لقد سُلخوا عن بيئاتهم العائلية والعاطفية، وصاروا في عمر المراهقة، مع ما يحمله هذا من قابلية مضاعفة للعنف، وتدربوا على السلاح. هذه كلها عوامل ترشحهم للمهمات الأكثر قسوةً وخضوعاً لمشيئة التنظيم، الذي هو في عرفهم أب وعائلة وعشيرة.

القول بأن «داعش» لجأ إلى المجندين الأطفال بعد نضوب أعداد الانتحاريين الشبان لا ينطوي على حكمة، فأعداد الانتحاريين تفوق الخيال، وقبل نحو شهرين نفذ ثمانية انتحاريين من «داعش» عملية في شرق لبنان قتلوا فيها خمسة عسكريين لبنانيين، أي أن عدد الضحايا نصف عدد المنفذين. هذا مؤشر على ضعف المنطق القائل بالنضوب. ربما كانت السهولة بالتنفيذ سبباً أكثر وجاهةً لتفسير الظاهرة، لكن علينا أن لا ننسى أيضاً أن أحد هموم «داعش» هو دفعنا إلى الذهول وإيصال قناعة بأن شيئاً لا يحد شهوته على القتل. ودفع الأطفال إلى العمليات الانتحارية هو امتداد للذبح والحرق وإلقاء الضحايا من الطوابق العليا.

تابعنا على تويتر


Top