استراتيجيات استخدمها النظام لتقويض ثورة السوريين

ماجد كيالي – الحياة 

لم ينتهج النظام السوري فقط طريق القوة المتوحّشة وغير المسبوقة في محاولاته تقويض ثورة السوريين، فهو انتهج معها أيضاً استراتيجيات عدة، بالتعاون مع حليفتيه روسيا وإيران (والميلشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية المرتبطة بها).

بداية اشتغل النظام على ضرب مصداقية الثورة بادعاء أنها مؤامرة تقف وراءها جماعات إرهابية، تتحرّك وفقاً لنوازع طائفية ودينية، مدعومة من الخارج، محاولاً في ذلك التقليل من شرعيتها الوطنية والسياسية، متجاهلاً حق السوريين بالانتقال إلى دولة ديموقراطية، ودولة مواطنين أحرار، وفقاً لشعارها الأول: «الشعب السوري واحد». واضح أن النظام استغل غياب مركز قيادي للثورة، واضطراب خطاباتها، وهذا بديهي، إلا أن اللافت أن بعض مكونات المعارضة، لا سيما العسكرية، لم تدرك مغزى هذه الاستراتيجية، بل إنها خدمت النظام، وأسهمت في ترويج روايته، بذهابها نحو الخطاب الديني على حساب الخطاب الوطني، وبانجرارها نحو العصبية الطائفية، ما أضعف صدقية هذه الثورة إزاء شعبها، وإزاء العالم. هذا أولاً.

ثانياً: سهّل النظام عملية قيام جماعات «إسلامية» عسكرية معارضة، من دون أن يعني ذلك أنه أنشأها، وضمن ذلك سهّل صعود «داعش» من العراق إلى سورية، بالتواطؤ مع العراق وإيران. وقد شهدنا أن هذا التنظيم لم يستهدف قوات النظام بربع ما استهدف به «الجيش الحر»، وأنه قضم من الأراضي التي سيطر عليها هذا الأخير، من الرقة ودير الزور إلى إدلب وحلب. كما شهدنا أن هذا التنظيم يتحرك بأمان، وفي مواكب سيارة، بين مناطق شاسعة ومكشوفة بين باديتي الشام والعراق، من دون أن يطلق عليها برميل أو رصاصة، لا من قبل النظام ولا من قبل ميليشيات إيران، ولا من روسيا، التي استهدفت الجماعات المسلحة الأخرى، هذا من دون أن نسأل عن كيفية حصول هذا التنظيم على ترسانة أسلحة توازي تسلح عدة فرق من الجيش، وعلى أموال طائلة، لدى استيلائه على الموصل بسلاسة ملحوظة (في صيف 2014). القصد هنا أن «داعش» كان ضرورة للنظام لتقويض ثورة السوريين، ونزع شرعيتها، وتشويه مقاصدها، وخلخلة إيمان شعبها بها، بالنظر إلى الممارسات الوحشية الغريبة التي انتهجها التنظيم في المناطق التي سيطر عليها، ما أسهم بترويج محاولات النظام وصم الثورة بالإرهاب.

ثالثاً: فتح النظام البلد على مصراعيه أمام التدخل العسكري الإيراني، ثم الروسي، واستطاع الاستفادة إلى أقصى حدّ من الدعم اللامحدود الذي قدّم له، في حين أن ما سمي «أصدقاء سورية»، والذي يضم الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا وبعض الدول العربية، لم يستطع أن يقدم مضاداً واحداً للطائرات، ولا فرض حظر جوي أو منطقة آمنة، ولا وقف القصف بالبراميل المتفجرة، ولا رفع الحصار عن أي منطقة في سورية، بل لم يستطع حتى منع تهجير النظام لأهل أي منطقة (مثلما حصل في داريا مؤخراً)، أو تقديم الغذاء للمحاصرين، وهكذا ترك السوريين مكشوفين، كأنهم مجرد حقل رماية، على امتداد السنوات الخمس الماضية.

رابعاً: منذ البداية انتهج النظام على الصعيد العسكري استراتيجية التخفّف من المناطق الكثيفة السكان والمعزولة، والقليلة الأهمية من وجهة نظره في الصراع الدائر. هكذا حاول النظام عبر ذلك تقليل جهده العسكري في تلك الأماكن مقابل حشده للدفاع عن وجوده في أماكن أخرى، وهذا يشمل خط المدن الرئيسية في الوسط من الشمال إلى الجنوب، أي مدن درعا ودمشق وحمص وحماة وحلب. لكن ذلك لم يكن يعني الانسحاب من باقي المدن، وإنما محاصرتها، وجعلها بمثابة حقل رماية لطائراته ومدفعيته، الأمر الذي يرفع كلفة الخروج عن طاعة النظام، بالقتل الجماعي وبتدمير العمران، وبالحصار والتجويع، ما يحول الثورة إلى كارثة إنسانية، لم يكن بالإمكان تصورها، أو تصور احتمال العالم لها. المشكلة هنا أن المعارضة، وبخاصة العسكرية، لم تدرك معنى «انسحابات» النظام، وكانت تعدها إنجازات لها من دون أن تنتبه إلى أن ذلك خفّف عن النظام عبء نشر قواته في الأحياء الشعبية التي تعتبر معادية له، وأن هذه الحواضن تحولت إلى مناطق محاصرة، وإلى عبء على الثورة، بعد أن كادت تفرغ من قاطنيها. هكذا بات الوضع بمثابة كارثة إنسانية، كما تمخض عن كارثة سياسية بالنظر إلى الإخفاق الكبير في طريقة إدارة الجماعات العسكرية للمناطق التي اعتبرت «محررة»، ناهيك عن التقاتل في ما بينها، وعن الفجوة بينها وبين المعارضة السياسية.

خامساً: استطاع النظام عبر استراتيجياته المذكورة حرمان الثورة من طابعها الشعبي بتعمّده تكبيد «البيئات الحاضنة» الأثمان الباهظة بالقصف العشوائي والقتل الجماعي والتدمير الشامل، وبسياسة الاعتقال والحصار والتجويع، وقد نجم عن هذه السياسات تحويل الثورة إلى مجرد صراعات عسكرية، بين منطقة وأخرى، أو مع هذه الجماعة أو تلك. المهم أن المظاهر الشعبية للثورة اختفت وحلت محلها مظاهر السوريين العابرين للحدود والبحار، وأضحت الثورة بمثابة كارثة على السوريين، والدول المجاورة، كما على الدول الأوروبية، وفي ذلك نجح النظام في محاولاته حرف الصراع من كونه صراعاً سياسياً إلى كونه قضية إنسانية، لا سيما مع ملايين المشردين اللاجئين في دول العالم، ومع كل التداعيات السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية الناجمة عن الصراع، هذا إضافة إلى محاولة وصمه بالإرهاب.

سادساً: تلاعب النظام بالمكونات السورية، كما تلاعب بالوتر الديني، وضمن ذلك تأتي محاولته كسب الكرد إلى صفّه في الصراع الدائر على سورية، من خلال التسهيل على «حزب الاتحاد الديموقراطي» (الكردي) الهيمنة على المناطق ذات الكثافة الكردية، على الحدود مع تركيا، ومن خلال سكوته عن تشكيله الإدارات الذاتية في هذه المناطق. وقد نجح النظام من خلال ذلك في تحقيق هدفين، أولهما، تحييد القوة الرئيسية لأكراد سورية وتجنّب الصراع معهم. وثانياً، إثارة الشكوك بين المجتمع الكردي، أو بين جمهور الـ «ب ي د» (PYD) والمعارضة السورية وجمهورها. المشكلة هنا أن هذا الحزب اشتغل بأجندة هي أقرب إلى أجندة «حزب العمال الكردي» (التركي)، وأنه قرأ الصراع الدولي والإقليمي على سورية بطريقة ساذجة ورغبوية ومتسرّعة وخاطئة، ظنّاً منه أن الظروف مهيأة لتحقيق حلمه القومي، أو أقله حلمه بالحكم الذاتي مرحلياً، وباعتباره الدول كأنها بمثابة جمعيات خيرية، أو كأنها تشتغل وفقاً للمبادئ وليس وفقاً للمصالح واستراتيجيات القوة والمكانة، ما أدى به إلى الاشتغال كأداة عند هذه الدولة أو تلك، دافعاً الثمن، من دون تحقيق أي من أحلامه، على ما ظهر مؤخراً. في المقابل فإن حال المعارضة، السياسية أو العسكرية، لم يكن أحسن حالاً، فهي لم تبذل الجهود اللازمة للتوضيح للكرد بأن قضيتهم عادلة ومشروعة، مثلاً، وأن الظروف الراهنة تقتضي الانخراط في عملية التغيير السياسي من أجل بناء دولة مواطنين أحرار ومتساوين في سورية ديموقراطية يتم فيها تداول السلطة، مع حق الكرد كشعب في التعبير عن ذاتهم القومية، فقد كان في ذلك فائدة للطرفين، ولحاجتهما لتنمية الثقة المتبادلة وبناء إجماعات مشتركة لسورية الجديدة، بدلاً من ترك النظام يتفرج على التصارع الكردي ـ العربي ويستثمر فيه.

سابعاً: أيضاً، ومنذ بداية الثورة لم يبخل النظام ببث الإشارات التي تفيد بأنه حافظ أمين للأمن الإقليمي، ولا سيما أمن إسرائيل، وهذا ما يتم التصريح به فوق الطاولة أو من تحت الطاولة بطريقة مباشرة أو مبطنة، من قبل مسؤولين سوريين، في كل المحافل الدولية والإقليمية، ويتم التدليل على ذلك بالمخاطر التي جرتها الثورة السورية على المنطقة. على أية حال فإن الاستنكاف الأميركي عن لعب أي دور فاعل في كبح النظام في سورية لا يمكن تفسيره برغبة أميركية في التخفّف من عبء المنطقة فقط، إذ أن ذلك لا بد أنه نتاج ضغط من إسرائيل، وكتعبير عن رضاها عما يحصل، إن تحت يافطة: العرب يقتلون بعضهم، أو من وجهة نظر أن خراب المشرق العربي، لا سيما في العراق وسورية هو أكبر ضمان لأمنها لعقود.

هذه هي أهم الاستراتيجيات التي انتهجها النظام لتقويض ثورة السوريين، من مختلف النواحي، والسؤال الآن: ماذا فعلت المعارضة إذاً لتفويت هذه الاستراتيجيات أو لمواجهتها أو لتدارك مخاطرها؟ والأهم من ذلك هل أدركت المعارضة حقاً هذه الاستراتيجيات واستنتجت العبر المناسبة منها؟ أم أنها استمرت على طريقها غير مبالية، مسهلة للنظام استراتيجياته؟ أطرح هذه الأسئلة فقط لأن مقالتي السابقة حول «الأسئلة التي لا تناقشها المعارضة» («الحياة»، 2/8) لاقت ردوداً تفيد بأن المعارضة سألت، وبأنني أجحف في حقها أو انتقص منها. والحال فإذا كانت تمت مناقشة تلك الأسئلة فأين هي الأجوبة عنها؟ ثم إذا كانت ثمة أجوبة مناسبة فأين انعكاسها على الأرض، في الخطابات وفي البنى وفي العلاقات وفي أشكال العمل؟ ثم لماذا وضع المعارضة على هذا النحو؟ أو لماذا وصلنا إلى هنا إذن؟

تابعنا على تويتر


Top