التهيب أم الحفرة ؟

61.png

عنب بلدي – العدد 77 – الأحد 11-8-2013
6
عتيق – حمص
«ومن يتهيّب صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحفر»
في قصيدته إرادة الحياة، التي نظمها سنة 1933م، تمكّن أبو القاسم الشابيّ، من تكثيف كل عناصر الإيجابيّة اللازمة لنهضة الشعب العربيّ، وصدمه بالكثير من الأفكار التي اعتبرت آنذاك (بل وحتى اليوم) كفرًا، هم قالوا إنه كفرٌ بالله وقدره، لكنّ الحقيقة أنه كفرٌ بمواريث الآباء والأجداد من الاعتقادات المزيفة، التي أفرزت أسوأ واقعٍ عربيّ على الإطلاق.
في بيته هذا يضع الشابيّ يده على الجرح الأكثر عمقًا وتأثيرًا عندنا.. ومن يتهيّب صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحفر. إذًا أين كانت تكمن المشكلة؟ هل في تهيبنا صعود الجبال؟ أم في وعورة الجبل؟ أم في وجود الحفر على طول الطريق؟!
هذا على ما يبدو السؤال الأهم في البيت الذي بين يدينا، بعبارة أخرى، أين تكمن مشكلتنا المعيقة؟ في الداخل أم في الخارج؟ في النفس أم في الظروف؟ في المجتمع أم في الدول الخارجيّة.
بحسب الشابيّ فإن الجبل ووعورته لم تكن مانعًا من تسلقه، فهو لم يقل بأن من يقع على جبل صغير سيربح سباق التسلّق.. كما لم تكن الحفر على الطريق مانعًا من ذلك، وإلا لكان المطلوب أن نقوم بعملية ردم للحفر، أو أن نبحث عن جبلٍ بدون حفر، لكنّ هذا أيضًا ما لم يكن.. الذي كان أن خوفنا من الصعود، من المبادرة، من الإقدام، من التسلق، هو الذي منعنا حقًا، لذا فإنّ كل المطلوب هو أن نتخلص من هذا الخوف والتهيّب، أي أن نعالج قصورنا الذاتيّ، لا أن نبحث عن ظروف أخرى نعتقد أنها أفضل، وإلا فإن من يتهيب صعود الجبال، سيعش أبد الدهر بين حفره.
رغم ذلك فمن ذا الذي يرغب في أن يعترف بأنّ كل الشكاوي التي يقدمها حول الظروف والأحوال غير دقيقة، وأنّه يمكن تحديها، وتجاوزها، من ذا الذي يرغب في أن يكون هو – وهو فقط – أمام كامل المسؤوليّة عن وضعه القائم، من ذا الذي يرغب في أن يخسر تعاطف الآخرين، وأن يستبدله بلومهم عن تقصيره! على الأقلّ ليس الإنسان العربيّ – للأسف – من يفعل ذلك.
ولذا تجده دومًا متعلًلا بالأحداث، والظروف، وصعوبة الطريق، ووعورة الجبل، والحفر هنا وهناك، وبعبارة أخرى تجده دومًا يجنح في إعطاء الظروف الخارجيّة الكلمة الفصل في كلّ ما يحدث.
وهذا عينه ما نسمعه في الإعلام، الرسميّ أو الثوريّ، فالإعلام الرسميّ يتحدّث دومًا عن المؤامرة الخارجيّة التي جرّت البلاد إلى ما جرّته إليه، متجاهلًا حقيقة أن القوّة الداخلية، لو وجدت، لما نجحت المؤامرة الخارجيّة – بافتراض صدقه جدلًا.
وفي الإعلام الثوريّ، يُعلّل استمرار النظام، وصموده إلى اليوم، وبعض نجاحاته هنا وهناك، بالدعم الخارجيّ، من إيران وروسيا والصين وحزب الله، متجاهلين كل الأخطاء التي ما زلنا نقع بها كشرائح ثوريّة مختلفة، مما يعيق التقدّم وإحراز النصر.
«وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا»
تعبّر هذه الكلمات من سورة آل عمران على إرادة الله، التي شاءت أن تجعل محور القيادة في الداخل لا الخارج، نفسًا ومجتمعًا.
فالمطلوب هو الاهتمام بعوامل التقوية الداخليّة (ممثلةً بالصبر والتقوى هنا)، مما يبطل مفعول الكيد الخارجيّ.
وعلى هذا المعنى جاء قوله صلى الله عليه وسلم « … واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».
فكلّ الناس لن تتمكن من النيل منك، ولو اجتمعوا، ما لم تعطهم الإذن لذلك، فالله قد كتب أنه إن تصبر وتتقِ لن يضرك كيدهم شيئًا، هذا كتاب الله، وسنته، التي لا مبدّل لها أحد، ولو اجتمع أهل الأرض.
لنعيد النظر مجددًا، لعلنا نتمكّن من تسلق الجبل أخيرًا.

تابعنا على تويتر


Top