خطة تعليمية جديدة

تركيا تقلّم أظافر المدارس السورية في أراضيها.. “تتريك” أم حفاظ على من تبقى من الجيل؟

EnabBaldi-Syrian-students-in-Turkey1.jpg

طلاب سوريون في تركيا (إنترنت)

فراس العقاد عنب بلدي

أعلنت وزارة التربية التركية خارطة تعليمية جديدة لاستيعاب الطلاب السوريين، بعد إصدارها مجموعة من القوانين التي تحد من دور المدارس السورية تدريجيًا، مقابل تعزيز دور مؤسسات الوزارة التركية في تعليم الأطفال.

السياسة الجديدة تزامنت مع اقتراب العام الدراسي 2016-2017، وأظهرت توجهًا تركيًا لاستقبال طلاب سوريين ضمن أنظمة وزارة التربية، على حساب إغلاق بعض المدارس السورية الخاصة.

وتضمن التعميم الجديد، الذي حصلت عنب بلدي على نسخة منه، ووجه لجميع المحافظات التركية في 19 آب الماضي، توجيهات وتعليمات تنظم دمج الطلاب السوريين، مع ضمان عدم تعرضهم للتمييز والتفرقة، بالنظر إلى ظروفهم المختلفة مع تأمين دعم نفسي لهم.

التربية التركية: هدفنا نقل الطلاب إلى نظام تعليمي دائم

توجهت عنب بلدي بزيارة لمديرية التربية التركية في اسطنبول، والتقت مساعد مدير التربية في ولاية اسطنبول، ساركان غور، واعتبر أن ما ستقوم به الوزارة هو نقل الطلاب السوريين من نظام تعليم مؤقت إلى نظام تعليمي مستمر “نحن في مرحلة انتقال كبيرة، سنقوم بتفحص مراكز التعليم المؤقت، وسيتسمر منها ما هو فعال حقًا، والباقي سينقل طلابها لمؤسسات الوزارة… سياستنا تعتمد على تقديم التعليم للسوريين بنفس الشروط التي نقدمها لطلابنا”.

وأكّد المسؤول التركي أن الوزارة مصممة بشدة على تنفيذ السياسة الجديدة “ولا يوجد لدينا ناقل رجوع نحو الخلف”.

في المقابل، تنوعت وجهات نظر التربويين السوريين، فمنهم من رآى في القرارات خيط أمل أمام استيعاب أعداد أكبر من الطلاب المنقطعين، وخطوة في تلقيهم تعليمًا معتمدًا، ومنهم من اعتبرها ضياعًا للجيل وفقدانًا للغة والثقافة.

أما القسم الثالث نفى بشكل قطعي أي تغير في السياسة التركية، واعتبر الأمر مجرد إشاعات لا أكثر ولا أقل، ودعانا لعدم التدخل وخلط الأوراق.

عامر نمر، وهو عضو الوفد السوري المسؤول عن المتابعة مع وزارة التربية التركية، قال لعنب بلدي إن “الخطة الحالية تقوم على استيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب. إحصائيات الوزارة تشير إلى وجود 995 ألف طالب بين عمر 6 حتى 18 سنة، منهم 330 ألفًا يتابعون تعليمهم فقط”.

وحول إغلاق بعض المدارس السورية وتضرر أصحابها، أوضح نمر “من المستحيل صدور قرار بإغلاق مراكز التعليم المؤقت، ما حصل هو تحويل هذه المراكز إلى مراكز ثابتة، ما تم إغلاقه هي مدارس سورية خاصة، كان افتتاحها بناءً على ترخيص حصلت عليه لسنة واحدة فقط”.

أصحاب المدارس: الأتراك يحاولون سرقة أطفالنا

القانون حمل عنوان تأمين التعليم للطلبة السوريين في أنظمة التعليم المؤقت، ومن أبرز ما جاء في بنوده التسعة، وفق ما ترجمت عنب بلدي:

أخذ التدابير اللازمة لضمان حق التعليم لجميع الأطفال المقيمين في تركيا، بما تضمنه القوانين الدولية والدستور التركي من حقوق دون النظر إليهم كلاجئين.

لفت نظر المدرسين لحالات هؤلاء الطلاب، لتأمين تعليم مناسب دون أي تمييز أو إدانة أو إقصاء، لطلاب عايشوا صدمات نفسية، أو انقطعوا عن التعليم، أو لم يبدأوا بالتعليم بعد، بسبب ظروف الحرب أو الحالة المادية.

طلاب الصفوف الأولى في المرحلة الابتدائية ستفتح لهم مدارس، وإذا كانوا في منطقة مؤهلة، ولم تتوفر المرافق فيتم دمجهم في أقرب مدرسة ابتدائية تابعة لوزارة التربية.

سيكون المنهاج المقدم للطلاب باللغة التركية حسب مناهج الوزارة، وعند ملاحظة أن الوضع غير مناسب من قبل الأهل فسيفتح مركز تعليم مؤقت، وسيكون التعليم فيه حسب منهاج الوزارة أيضًا.

أما في الصفوف الانتقالية ولتعزيز انسجام الطلاب بسرعة، سيكون التعليم بلغة الطالب في مراكز التعليم المؤقت التابعة لوزارة التربية، مرفقة بدورات تعليم مكثفة في اللغة التركية لإعداده في السنوات المقبلة للانتقال لمدارس تركيا.

كما سيتم إعداد برنامج خاص بالطلاب السوريين مرتبط برغبتهم في الحصول على التعليم ضمن لغتهم وثقافتهم على أن يكون خارج أوقات التعليم الرسمي.

المربية السورية شذى بركات، وهي من مؤسسي مدرسة “شامنا”، اعتبرت القرار التركي “تعسفيًا”، يحرم الأطفال السوريين من حق تعلمهم بلغتهم الأم “الأتراك يحاولون سرقة أطفالنا منا ولا نوافق على ما يجري إطلاقًا، كيف ستحرمون الأطفال من لغتهم وثقافتهم الأم، كما ستحرمون مئات المعلمين السوريين من عملهم ضمن هذه المؤسسات؟”.

ولم تخف المربية خسارتها المادية أيضًا “منذ أربع سنوات فتحنا أول مدرسة في اسطنبول، استأجرت مبنىً ودفعت في الثلاث سنوات الأخيرة فقط 760 ألف ليرة تركية، لم نتخلف فيها عن دفع ضريبة أو قرش واحد، كنا نحن من نؤمن رواتب المعلمين والتكاليف الطلابية، وبعد كل هذا وبجرة قلم غير واعية سيمحى عملنا من الوجود”.

وتساءلت بركات، في اتصال مع عنب بلدي، “في تركيا مليون طفل، منهم 350 ألفًا يتابعون تعليمهم في مدارسنا، نحن نقدم لهم خدمة ونساعد في حماية هذا الجيل والحفاظ على أخلاقه من الضياع والجهل والتطرف، لماذا لا تؤمنون التعليم لـ 650 ألف طفل متبقّ، لا يتلقون أي تعليم ومنتشرون في شوارع تركيا؟”.

وأضافت “إذا كنتم تريدون دمج الطلاب، فيجب دمجهم بطريقة مدروسة واعية وحريصة على مشاعر السوريين الذين لجؤوا إلى تركيا”.

“نحن نجهز أولادنا للعودة إلى سوريا ولا نريد البقاء في تركيا”، على حدّ تعبير بركات، مؤكدةً “من بقي في تركيا ولم يهاجر إلى أوروبا هم الفئة، التي تريد العودة إلى سوريا وإعمارها لا نريد أن يضيع أبناؤنا”.

وأوضحت المربية أن السوريين يفكرون في تعليم أبنائهم قبل التفكير بإطعامهم “لا يوجد عندنا ما يحفظ تاريخنا، جغرافيتنا، يحفظ مبادئنا وأخلاقنا سوى حصولهم على التعليم الصحيح، وهذا هو هدفنا”.

وتوقعت بركات أن هذه القرارت سوف تدفع كثيرًا من الأهالي لعدم إرسال أولادهم إلى المدارس التركية خوفًا عليهم من تعلم لغة جديدة ونسيان ثقافتهم ولغتهم الأساسية، وعدم قدرتهم على التفاهم مع المجتمع، ما سيساهم في إعادة هؤلاء الأطفال إلى الشوارع”.

الطلاب: همنا أن نتعلّم

الطلاب كانوا حاضرين في هذه المعمعة، بعد أن تقاذفتهم عدة جهات خلال السنوات القليلة الماضية، وسط غياب شهادات معترفٍ بها تمكنهم من إكمال دراستهم، ولذلك تبدو أوساط الطلاب مرتاحة للانتقال إلى مدارس معترفٍ بها، بغض النظر عن تبعيتها والمناهج المدرّسة فيها.

همام حمزة، وهو طالب في الصف العاشر في مدارس “إمام خطيب” التركية، اعتبر الخطوات التي تقوم بها تركيا لدمج الطلاب السوريين خطوة في الطريق الصحيح، متهمًا المدارس السورية بأنها تسعى وراء أموال الطلاب “المدارس التركية أكثر استقرارًا وأمنًا، فالشهادات السورية حتى الآن دون اعتراف رسمي، وحتى إن حصلت على علامات تامة فلن تكون بقدر الشهادات التركية المعتمدة عندما سندخل الجامعات، المدارس السورية لا تهتم لارتقاء الطالب علميًا بقدر اهتمامها بنهب أمواله، الأمر هكذا بكل صراحة”.

وأضاف الطالب “في المدارس السورية تجد المعاملة الحسنة عندما تدفع أما في المدارس التركية، فستجدها عندما تحصل على علامات أعلى، كل هذا ولم نتحدث بعد عن حجم الصفوف ومساحة الباحة”.

وعن الصعوبات التي تواجه الطلاب في التأقلم وتعلم اللغة، قال حمزة “ليس من الصعب التأقلم في المدارس التركية، تعلم اللغة أيضًا سيصبح أسهل عندما تعاشر الأتراك خمس ساعات أو أكثر في اليوم، خلال ستة أشهر استطعت أن أتقن اللغة التركية ولا أرى أن هناك صعوبة في المنهاج التركي”.

“لا أخاف على تاريخنا وجغرافيتنا من الضياع، كنا ندرسها في المدارس غصبًا لتحصيل العلامات”، أضاف حذيفة مؤكدًا أن “اللغة العربية مرتبطة بالطالب نفسه ولا علاقة للمدرسة”، وختم حديثه بالقول “ما يهم هو تعليم الجيل، يكفي الطالب أن يصبح مهندسًا أو طبيبًا ويعرف أن عنده وطن بحاجة لهمته وللبناء من جديد”.

شهدت الولايات التركية انتشارًا للمدارس السورية تزامنًا مع ازدياد أعداد الطلاب بعد فقدانهم أمل العودة سريعًا لمتابعة تعليمهم، ما دعا جهات عديدة إلى إنشاء مدارس لتلافي الضياع والتشتت خلال السنوات السابقة.

واستطاعت بعض هذه المدارس العمل بالتنسيق مع وزارة التربية التركية، بينما ارتبطت أخرى مع منظمات دولية وبقيت دون سلطة حكومية رسمية تنظم عملها.

تابعنا على تويتر


Top