ورود داريا

حذام زهور عدي

لاأظن أن أحدًا لم يتوقع لداريا ما حدث، بعد أن تقلص عدد سكانها إلى بضعة آلاف لا تتجاوز أصابع اليدين، وبعد أن كانت أكبر مدينة في الغوطة الغربية تتجاوز المئتين وخمسين ألفًا من كرام أهل الشام، وبعدما سُميت “مدينة البراميل المتفجرة” لكثرة ما تلقته من القنابل البرميلية المحشوة بكل ما هو محرم دوليًا، دفعت أهلها إلى النجاة بأرواحهم والنوم مع أطفالهم ونسائهم إلى الاستقرار في اللااستقرار وبحر المجهول، نامت نساؤها وأطفالها في حدائق دمشق وأرصفتها بعد أن كانوا ينامون بين كرومها وورودها وهوائها الذي يتصيده كل من ضاق صدره يومًا من مصائب الدهر. وهل كان بإمكان داريا أن يستمر صمودها والقاذفات الروسية الحديثة تُمطرها بأنواع الصواريخ التي تجربها على أجساد أهل داريا العزل استعدادًا لحرب عالمية، يكون فيها الرابح الأكبر في مواجهة أسلحة أخرى قد تكون أكثر فعالية وتوحشًا. لكنّ الروس فاتهم أن تدريباتهم تلك لن تنفعهم لعدم وجود مكافئ حقيقي، سلاحًا وعدة وعددًا وعليهم ألا يتباهوا بنصر مخجل حققوه بقتال من لا يُقاتَل..

أجل حدث ما حدث.. وتمرغت أنوف البشرية بأبشع رائحة إجرام، ويبقى السؤال، لماذا؟ ليس لماذا حقق الروس والإيرانيون بلبوس النظام الأسدي ما حققوه، ولكن لماذا أصر كل هؤلاء على داريا؟ ولماذا سمح الغرب وقائدته الأمريكية أن يحدث ما حدث؟

أولًا.. من الواضح أن معلمي الأسد ماضون في رسم سوريا المفيدة التي ستبقي دمشق عاصمتها الرمزية، ولكي يضمنوا لدمشق استمرارها بنظام شبيه بنظام الأسد عليهم وفق عقيدتهم العسكرية أن يُطهروا ما حولها من أي إمكانية لظهور خطر ما على استقرار الوضع المرسوم، وبما أن داريا تمثل كتلة سكانية منسجمة ومتماسكة اجتماعيًا، وبالوقت نفسه متضررة من قوانين النهب الأسدي العقاري وتشويه أجمل ما في سوريا تاريخيًا، ”غوطة دمشق” ووردتها داريا، إذن هي مدينة مؤهلة للثورة في أي ظرف يسمح لها بها.

وثانيًا.. داريا تبعد ثمانية كيلومترات فقط عن وسط دمشق، وهذا يعني أن ثوارها يستطيعون الوصول إلى قصر الرئيس مشيًا على الأقدام إن لم يُعقهم عائق ما، وهي المدينة المشرفة على مطار المزة العسكري بما فيه من أوكار جهاز الأمن الجوي، ومواجهة لنقاط تمركز الفرقة الرابعة، “التي أذاقتها مُرّ القصف والتنكيل”، حارسة النظام الأولى، وهي السلة الغذائية الأجود لسكان دمشق والغوطة الغربية.

وثالثا.. تمتلك داريا نُخبة واسعة من المثقفين الواعين لحقوق الشعب وواجباته، ذات التوجه الديني المعتدل برؤية عصرية، وربما كان بإمكانها قيادة أروع ثورة بالتاريخ الحديث، وكان ثوارها من أكثر ثوار سوريا وعيًا ونظافة وتضحيةً وتنظيمًا، وكان العمل المدني بينهم مما يتمناه كل سوري لمدينته، فقد انتخبوا مجلسًا محليًا منذ 2012 اهتم بشؤونهم وجعلوا القيادة العسكرية تحت سلطته، وليس العكس، كما جرى في مناطق سورية أخرى، واستطاع ذلك المجلس أن يُدير أمورها تحت حصار منقطع النظير، جوًا وبرًا، ويؤمّن لكثير من الأسر خروجًا آمنًا بالرغم من الدمار والقصف المتواصل، وهو الذي خاطب الأمم المتحدة أكثر من مرة وطالب بتدخل دولي لحماية المدنيين، وضغط على الفصائل المتنازعة، (جيش الإسلام وأجناد الشام)، ليوقفوا منازعاتهم ويتوحدوا، فهل مثل هذه المدينة كانت تستحق 8000 برميل متفجر كما قيل، و2000 صاروخ تحمل أنواعًا من الفتك لم ترد بخيال عتاة المجرمين؟

أما قصص الجوع والإيثار وعمل المشافي الميدانية فلا أظن أن ثورة بالتاريخ كله، قد روي عنها في ذاك المجال ما روي عن داريا.

داريا التي استمر حصارها الخانق أربعة أعوام لم تدخلها المساعدات الإنسانية إلا مرة واحدة وبعد شياط ونياط، في حزيران الماضي، وكانت عبارة عن مواد لمكافحة الحشرات، و960 كيسًا من الطحين، وكان قد بقي من أهلها صامدين بداخلها حوالي عشرة آلاف نسمة بين أطفال ونساء ورجال، و480 سلة غذائية لا غير، وبعد تدمير أراضيها الزراعية والاستيلاء عليها، ليحرموا أهلها الاستفادة حتى من حشائش الأرض.

تلك داريا مدينة الثورة السلمية، التي كانت تقدم الورود للجيش الذي يقمع تظاهراتها ولسلطته الأمنية، مدينة غاندي الصغير غياث مطر، الذي قتلوه تحت التعذيب وهو يحمل غصن الزيتون، وأكاليل الورد، ويقول لهم أنتم إخوتنا بالوطن، جرحنا واحد ودماؤنا واحدة وكل ما نطلبه من حاكم مستبد فاسد، حريتنا وكرامتنا وعدالة تسمح بمحاسبة الفاسدين، غياث مطر ورفاقه الشهداء الذين أعطوا الدليل الأوضح على نفاق المجتمع الدولي ودجله، ألم يأت سفراء ست دول ممن يقود المجتمع الدولي للعزاء به؟ ألم يعرفوا كل صغيرة وكبيرة عن غياث ورفاقه ومدينة الورد والعنب؟ ماذا فعلوا له ولمدينته الرائعة غير التجاهل والصمت؟ هم أيضًا يريدون تسفير أجمل جذور تاريخية واستبدالهم بعفن التاريخ؟ هل لأن الشاعر البحتري عندما كان يريد أن يُخلّص الخليفة المتوكل من نفوذ الفرس يحضه على الانتقال إلى دمشق وداريا تحديدًا لإحساسه بعروبتها؟ ولأنها كذلك، دمرها نظام التوحش والبربرية، ولأنها كذلك صمت المجتمع الدولي عن دمارها وجمالها، لقد دفعت داريا ثمن ورودها، دمًا وتشردًا وكوارث، فهل سمع العالم أو رأى مثل هذا الثمن؟ وهكذا أصبحت داريا واسطة عقد رموز الثورة الذين سبقوها فلمن ستقرع الأجراس بعدها.

تابعنا على تويتر


Top