الدرس إذ يتكرر مع الأكراد السوريين!

أكرم البني – الحياة

… ويقصد بالدرس صعوبة، إن لم نقل استحالة، قيام كيان قومي كردي مستقل، يتجاوز خرائط سايكس – بيكو، في ظل التوازنات والمصالح الدولية والإقليمية القائمة.

والجديد أن أنظمة المنطقة والدول الكبرى، وعلى رغم صراعاتها البينية، لم تتحمل في اللحظة السورية الراهنة، تمدد حزب الاتحاد الديموقراطي لإقامة كيان كردي على طول الشريط الحدودي مع تركيا، وكان الرد مفاجئاً بتدخل جيش أنقرة وفصائل من «الجيش الحر» يسندهما صمت مريب وغطاء جوي من الحليف الأميركي للأكراد، والغرض لجم طموحهم السياسي وتحجيمهم عسكرياً وإحداث قطع جغرافي بين المناطق الرئيسة لتواجدهم! وقبلها شهدت فكرة إعلان دولة مستقلة في كردستان العراق حين أطلقها بعض الزعماء الكرد خموداً سريعاً، على رغم توسلهم حالة الاضطراب المزمنة التي يعيشها العراق والخوف الشديد من تنامي تنظيم داعش وما يشكله من أخطار على العالم وعلى الأقليات القومية والدينية.

والقديم حزمة من الهزائم والانكسارات شهدها النضال الكردي في ثوراته المعاصرة، حيث تناغمت أدوار المجتمع الدولي وأنظمة البلدان التي تتقاسم كردستان التاريخية، لإجهاض طموحه القومي في غير لحظة تاريخية من لحظات نهوضه، إسقاط جمهورية مهاباد في إيران في 1946، ثم اتفاق آذار (مارس) في العراق 1975، وما حل بخيار الاستقلال والحضور الوازن لحزب العمال الكردستاني في تركيا!.

والسؤال: لماذا لم يتمثل الأكراد عموماً هذا الدرس، واستمروا، على رغم تضحياتهم العظيمة، في تغليب الهدف القومي على المهمات الوطنية وفي القلب منها مهمة التحول الديموقراطي كطريق آمنة لنيل حقوقهم، ولخلق فرصة قابلة للحياة لوضع مشروعهم السياسي القومي موضع التنفيذ؟!. وتخصيصاً ألا تستدعي الحالة السورية ربطاً بوزن الأكراد المحدود فيها وطابع توزعهم الديموغرافي ضرورة تمثل هذا الدرس جيداً؟!.

أولاً، لا يجانب الصواب من يفسر الأمر كرد فعل للأكراد على تصاعد الاستفزازات الشوفينية ضدهم، وبخاصة من حكومات قمعية وفاسدة، سعت إلى الاستئثار بكل شيء على حساب بناء وطن يوفر فرصاً متكافئة لكل أبنائه، ولم تتردد في استخدام مختلف الأساليب لتشديد اضطهادها للأكراد وسلبهم حقوقهم كمواطنين وتغييب دورهم كأقلية قومية في التكوين الاجتماعي، ما عمق الشروخ بينهم وبين مجتمعهم، وعزز بين صفوفهم ظواهر التعصب والتطرف القوميين، ربطاً بشعور مفعم بالشكوك تجاه وعود كثيرة بإنصافهم، وقد اكتووا بتجارب سابقة، كانـوا فيـها مجـرد وقود لتغذية الصراعات السياسيــة، أو جـسراً عبـر مـن فـوقـه هـذا الطـرف أو ذاك نحو أهدافه الخاصة وأهمل همومهم ومظالمهم.

ثانياً، لا يخطئ من يتلمس الجواب في الخصوصية السورية لتطور النضال الكردي الذي ارتبط تاريخياً بنضالات أكراد بلدان الجوار، أكثر من ارتباطه بحاجات الوضع الداخلي ومعانيه المميزة، ولنتذكر دفق المشاعر القومية التي رافقت حركة التطوع الواسعة لأكراد سورية من أجل دعم البشمركة في شمال العراق، ثم تصاعدها من جديد مع تنامي دور حزب العمال الكردستاني وإطلاق يده لتعبئة الشباب الكرد السوريين، الأمر الذي منح حزب الاتحاد الديموقراطي بصفته الامتداد السياسي لحزب العمال، وزناً لافتاً في البلاد، تجلى مع تطور الصراع السوري بدور عسكري وسياسي متميز، شجع واشنطن على التعاون معه كطرف قادر وموثوق في التصدي لتنظيم داعش، ولم يتردد الحزب في استثمار هذه الفرصة، بعد نجاحه في معركة عين العرب (كوباني) بمحاولة فرض وجوده كمنافح وحيد عن الحقوق القومية الكردية ولوضع مشروعه بإقامة كيان سياسي في شمال وشرق البلاد حيز التنفيذ، ملتمساً خرائط وطابع مكونات تنسجم مع إستراتيجية صراع حزب العمال الكردستاني مع النظام التركي، ما يفسر أساليب القمع والتمييز والإقصاء والتهجير، وعادة تحرير الذات من أعباء الالتزامات الوطنية ما دامت تعيق تقدمه نحو مشروعه القومي الخاص.

ثالثاً، يصيب من يرجع السبب إلى طابع القوى السياسية المعارضة، والتي لم تكن يوماً سخية في التعاطي مع الحالة الكردية، بل بقيت في غالبيتها تعيش أوهام الماضي وتستمر في تعميم أفكار شوفينية تطعن بحقوق الأقليات القومية وتعتبرها نتاج طارئ صنعه الاستعمار ومصالح القوى المتصارعة على المنطقة، بما في ذلك التشكيك بالنيات الديموقراطية والتشاركية للأكراد والادعاء بأن لا أمان لهم ويظهرون غير مايبطنون، ويترقبون الوقت المناسب للانفصال، وتنفيذ حلمهم القومي من دون اعتبار للمصلحة الجامعة ولمستقبل شركائهم في الوطن، زاد الطين بلة انكسار وعد التغيير الديموقراطي الذي حملته التظاهرات السلمية العربية والكردية، بفعل العنف السلطوي المنفلت والتقدم الحثيث لتيارات إسلاموية لا علاقة لها بشعارات الحرية وحقوق الإنسان واحترام التنوع والتعددية.

ويبقى السؤال: بعد ما حل من خراب وما يخلفه استمرار العنف من مآسٍ وآلام، هل تحتاج النخب الكردية إلى المزيد من الأثمان والبراهين كي تعي أهمية هذا الدرس، وتبادر إلى تحرير سياساتها مما يشوبها من حسابات ضيقة وأنانية، ولتدرك أن ضمان حقوقها القومية المشروعة وتعايشها الصحي مع مكونات المجتمع السوري، لا يمكن أن يتحققا بصيغة عادلة ومستقرة إلا على قاعدة الديموقراطية ودولة المواطنة؟!

والأهم، هل تتشجع النخب العربية على مراجعة أفكارها ومواقفها يحدوها الإقرار الواضح والصريح بالأكراد كجزء عضوي من تركيبة المجتمع السوري، وبحضور مسألة نضالية تتطلب حلاً عادلاً ترتبط بحقوقهم القومية المشروعة؟! ثم ألا يستدعي مشهد استباحة الوطن وتحويله الى ساحة لتصفية الحسابات، وقفة نقدية من الجميع تدين ماضياً مكتظاً بكل أنواع الظلم السياسي والاضطهاد القومي والارتهان للإملاءات الخارجية، وتنحو إلى منح التعايش والنهوض المشترك بالوطن الأولوية، ما يخفف الاستقطابات الحادة ويحاصر نوازع التعصب والانعزال ويمهد لإعادة بناء ثقة بين الأكراد والعرب، تجهض احتمال تطور مواجهات دموية بينهم ترتبط بصراعات الهيمنة الإقليمية والدولية على المنطقة، ولا تحرم المجتمع السوري في لحظة توقه للخلاص من العنف والقهر والدمار، من طاقات وطنية لا خلاص من دونها!.

تابعنا على تويتر


Top