المعارضة في لندن: أهمية الحدث وتداعياته

فايز سارة – الشرق الأوسط

بعد تغييب كاد يكون متعمدًا من قبل المجتمع الدولي، عادت المعارضة السورية إلى واجهة الحدث في اجتماع لندن قبل أيام، بحضور عدد من وزراء الدول الأكثر اهتمامًا بالقضية السورية، وسط غياب الوزير الأميركي جون كيري، وشرح أمامهم رئيس الهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب رؤية المعارضة السورية للحل السياسي للقضية السورية.

وقدم حجاب تلك الرؤية في ثلاث مراحل متتابعة، تستمر أولاها ستة أشهر لمفاوضات بين المعارضة ونظام الأسد، يتم خلالها الاتفاق على مسار المفاوضات ومحتواها لبدء المرحلة الانتقالية، التي تمثل المرحلة الثانية، ومدتها ثمانية عشر شهرًا، يتم فيها بناء الهياكل السياسية والإدارية والعسكرية – الأمنية للنظام الجديد بصورة تشاركية بين النظام والمعارضة، ولعل الأبرز في هذا الجانب أمران؛ أولهما، حل إشكالية المؤسسة العسكرية – الأمنية، عبر تشكيل مجلس عسكري من ضباط في الجيش السوري ومنشقين عنه، يحافظ على المؤسسة العسكرية، ويخرجها من دائرة الصراع بإخضاعها للقيادة السياسية، ويجري إعادة هيكلة وإصلاح في الإدارات الأمنية.

والأمر الثاني، إخراج بشار الأسد من سوريا ومعه بطانته المقربة المسؤولة عن قرارات القتل والتدمير.

وتتضمن المرحلة الثالثة من رؤية المعارضة البدء في عملية انتخابية شاملة، تبدأ من انتخابات محلية إلى انتخاب برلمان وانتخاب رئيس تحت رعاية أممية، مع وضع دستور للبلاد يأخذ بعين الاعتبار حقوق جميع مكونات الجماعة الوطنية، لا سيما الكرد السوريين، خصوصا حقوقهم القومية والثقافية، كما يضمن الدستور حقوقا ومشاركة أكثر جدوى وفاعلية للنساء السوريات في الحياة العامة، بحيث يعكس حضورهن ودورهن الذين طالما كانا غائبين في سوريا.

رؤية المعارضة أو خريطة الطريق التي أعلنتها للحل السياسي في سوريا، تعكس تحولاً مهمًا في موقف المعارضة، ليس في محتويات الحل فقط، وإنما في الياته أيضا، بل إنه يزيد إلى ما سبق سعة تمثيل المعارضة في تبني هذه الرؤية.

لقد ضم وفد المعارضة برئاسة حجاب، الأطياف الأربعة للمعارضة السورية؛ فإضافة إلى ممثلي الائتلاف الوطني السوري، ضم الوفد ممثلين عن هيئة التنسيق الوطنية، وممثلين عن التشكيلات المسلحة للمعارضة، وآخرين عن المستقلين في المعارضة السورية.

ولئن كان ذلك قريبًا من تركيب الهيئة العليا للمفاوضات، فقد زاد عليها بحضور أشخاص لم يكونوا ضمنها، الأمر الذي يمثل إضافة نوعية في تمثيلية الوفد للمعارضة السورية وفي تبنيه للرؤية بما فيها من جديد فى محتويات الحل وآلياته.

وثمة نقطة لا تقل أهمية عما سبق، أطلقتها رؤية المعارضة من أجل توفير بيئة أفضل للحل السياسي من خلال إقرار هدنة في عموم الأراضي السورية ورفع الحصار وتسهيل سير المساعدات، وإشاعة حوار بين السوريين، وهذا لا يوفر هدر مزيد من دماء وقدرات السوريين وبلدهم فحسب، بل يضعهم أمام تحديات إعادة بناء حياتهم وضروراتها الملحة والعاجلة بعيدًا عن الصراعات والمعارك، التي تحول كثير منها إلى عبث في إطار استراتيجية القتل السوري المتواصلة من خمس سنوات.

ووسط التحول الجديد المطروح في بيئة الصراع السوري في الاتجاه نحو التهدئة والحوار، كان هناك تركيز على أمرين أساسيين هما من ضرورات الحل السوري؛ أولهما معالجة وجود القوى الأجنبية المسلحة في سوريا، التي يفترض مغادرتها الأراضي السورية سواء من التشكيلات النظامية أو من الميليشيات المسلحة، التي تقاتل في سوريا، والثانية تحشيد القدرات السورية وتوجيهها للحرب ضد جماعات التطرف والإرهاب من «داعش» وأخواته، وهو أمر يمكن للسوريين القيام به، والانتصار فيه إذا توفرت حدود دنيا من الدعم والمساندة الدولية.

وقد عكس الحضور الدولي في اجتماع لندن وردات فعله الأولى على رؤية المعارضة للحل السياسي روخا جديدة، يمكن البناء عليها وتطويرها، بعد ما ساد من حالة استبعاد لكل الأطراف، مارسها الروس والأميركان في الأشهر الماضية، وإصرارهما على العمل منفردين سعيًا للوصول إلى اتفاق روسي – أميركي للحل، وقد فشلا في الوصول إلى اتفاق عجزا عن إنجازه، وهو ما يمثل قناعة لدى الدول الأوروبية وغالبية الدول العربية وتركيا، الأكثر تأثرًا بالوضع السوري وتداعياته.

وإذا كان من الصحيح أن ثمة نواقص في رؤية المعارضة للحل السياسي، وأن فيها نقاطًا بقيت مبهمة، أو جرى تجاوز تفاصيل مهمة فيها، فإن ذلك سواء جاء عن عمد وتقصد، أو نقص وتقصير، فإنها جميعًا، لا تقلل من أهمية الرؤية وقدرتها على تجاوز ما آلت إليه القضية السورية من تداخلات، باتت تتطلب توافقا على المسائل الجوهرية والبسيطة، ثم البناء عليها لمعالجة المسائل التفصيلية والأكثر تعقيدًا، والأمر في هذا يبدو واضحًا للأطراف كافة، التى سيقدر أغلبها مبادرة المعارضة السورية فى العلاج السوري وما حوله من تداعيات.

تابعنا على تويتر


Top