لماذا تفشل المجالس المحلية في سوريا

صهيب السلامات

تحوَّلت المجالس المحلية في المُدن السورية من مراكز للإدارة المحلية إلى مراكز لتوزيع السلل الغذائية وعلب الحليب، وفرّغت من مضمونها، ليرتبط اسم المجالس المحلية بالمساعدات الغذائية وعلب الزيت والبرغل والفول المعلب

إنَّ وعينا العميق بأهمية المجالس المحلية والحفاظ عليها ودعمها لتكون الممثل الشرعي للمجتمعات المحلية، يُحتِّم علينا طرح هذا الموضوع للنقاش والبحث لمعرفة نقاط الضعف ومعالجتها ومعرفة نقاط القوة وتعزيزها.

فإذا نظرنا لأسباب فشل المجالس المحلية في أغلب المدن السورية، سنجد أنَّ أبرزها هو عدم وجود حكومة فعلية بديلة عن حكومة النظام تدعم المجالس المحلية ماديًا وإداريًا، كرواتب للموظفين ومستلزمات واحتياجات إقامة واستمرارية المجلس المحلي، لأنَّ العمل التطوعي أصبح غير ممكن في ظلِّ هذه الظروف الصعبة بعد مضي خمس سنوات من عمر الثورة، علاوةً على ذلك، إنَّ الإفراط في العمل التطوعي دومًا يكون على حساب التنظيم والالتزام بالقوانين والنُّظم التي تحكم عمل المجالس المحلية.

وهنالك أسبابٌ تتعلق بنا نحن الموجودين في الداخل، إذ إنَّنا لا نقدِّم الدَّعمَ المعنوي والبشري للمجالس المحلية، فجميع بوادر التشجيع والترغيب مفقودةٌ. والناس لا تتعاون معهم ولا تُسهِّل أعمالهم ولا تُحسِنُ معاملتهم، بل تسارع بالتخوين والطَّعن والشتم والاستهزاء، مما يجعل التقدُّم لمثل هذا العمل أمرًا صعبًا لا يرغب به أحدٌ لأنَّه محفوفٌ بالمكاره، وبالتالي سيتجنَّب أهل الخبرة والكفاءة التقدم لهذا المكان، الذي نحن بأشدِّ الحاجة لتفعيله، لأنَّ الاستهزاء والسخرية والتَّصغير من شأن القائمين على هذا العمل يقلِّل من هيبة المجالس المحلية ويجعلها مُهانةً في أعين الناس، وهذا كفيلٌ في إفشال المجالس المحلية لأنَّ نجاحها وشرعيتها مستمدَّةٌ من شعبية أهلها.

ومن الأسباب التي ساهمت في تقليص دور المجالس المحلية أيضًا، عدم وجود ضوابط لعمل المنظمات في الداخل، وتشعّب الأطراف في البلدة الواحدة، كلٌ يعمل لمنظمته وجهته التي تدعمه دون مرجعية تجمع ممثلي المنظمات في الداخل تحت سقفٍ واحدٍ هو المجلس المحلي، لأنَّ كُثرة الأيادي التي تتبع للخارج دون ضوابط ستفسد البلد.

لقد تحولت المجالس المحلية في مُدننا إلى مراكز لتوزيع السلل الغذائية وعلب الحليب، وتفرَّغت من مضمونها، ليرتبط اسم المجالس المحلية بالمساعدات الغذائية وعلب الزيت والبرغل والفول المعلب.

وحتى نعيد تفعيل دور المجالس المحلية في إدارة شؤون البلدات بشكل فعلي لتقدم الخدمات وتغطي الاحتياجات الأساسية للسكان المحليين، لا بُدَّ من إطلاق حملة توعية تعيد تعريف الناس بمهام المجالس المحلية ودورها في إدارة وتسيير شؤون البلدات والمدن، إذ إن المفاهيم قد ضاعت بعد هذا الكم من الفوضى والتقصير والمعاناة، فإذا أردنا الخروج من هذه الفوضى على المستوى المحلي يجب أن نقوّي المجالس المحلية ونبحث لها عن دعم مادي يغطي احتياجاتها، إمَّا من خلال مشاريع إنتاجية يعود ريعها للمجلس المحلي، أو من خلال تفعيل أنظمة جباية أو بدل خدمات تقدم للمواطنين، وذلك بفرض مبالغ زهيدة جدًا على المواطنين يتم جمعها بشكل لطيف لا يشعرون به، عن طريق ربطة الخبز مثلًا، لتعود على المجلس المحلي بمبالغ كبيرة ينفقها حسب الحاجة، وبالمقابل وبشكل ضروري يجب تقديم الدعم الإداري من خلال إقامة دورات تدريبية مكثفة تعلم الناس مبادئ الإدارة الرشيدة وضرورتها لخلق جسر من الثقة بين المجتمع والمجلس المحلي، فحينما يأخذ المجلس المحلي من المواطنين ضريبةً ولا يكون شفافًا معهم في كيفية صرف هذه المبالغ فذلك سيؤدي حتمًا لخلق حالة من التوتر وعدم الثقة.

ومن جانب آخر إقامة دورات تدريبية لكوادر المجالس المحلية يتعرفون من خلالها على كيفية إدارة الكتل المالية وإعادة تدويرها، وتزويدهم بآليات عمل تعتمد على إجراءات سليمة تحمي الموظف والمواطن وتبقي المال العام تحت أنظار المجتمع المحلي.

أما بالنسبة للمنظمات التي تعمل في الداخل السوري، فيجب على المجالس المحلية أن تنفتح على جميع المنظمات من أجل فتح باب آخر من أبواب الدَّعم المقدمة من خلال هذه المنظمات، لأنَّ الوضع السوري الراهن بحاجة للخدمات التي تقدمها هذه المنظمات في جميع المجالات، لكن ما يجب أن يتمَّ التعامل معه بشكل صارم ووضع حد له هو أن تقوم هذه المنظمات بالتغريد خارج السرب والعمل بشكل منعزل عن المجلس المحلي وخارج مظلَّته لتخلق كيانًا إداريًا آخر يفرِّق الناس ويشتّتُ وحدتهم، حيث يعدُّ المجلس المحلي فوق أيَّ منظمة من الناحية الإدارية، ويجب التنسيق معه من قبل المنظمات التي تريد العمل في الداخل لتحقيق عمل إيجابي يصب في مصلحة البلد.

أما إذا بقينا نُرهن أنفسنا للمنظمات، ونجعلها فوق المجالس المحلية فلن نصل يومًا إلى حل، لأنَّ الجميع يخدمك لمصالحه، والمجلس المحلي هو الجهة التي تمثل المجتمعات المحلية بشكل شرعي، لذلك يجب أن نجعلَ منه سقفًا نقف جميعنا تحته، ويكون ولاؤنا لبلدنا ودعمنا لمجلسنا حتى لو كنا نعمل مع منظمات مختلفة، يجب أن تكون لنا مرجعية محلية تدير شؤوننا، نلتقي جميعنا عبرها لكي لا نصبح ألعوبةً بيد الآخرين.

النجاح الإداري على مستوى القرية الواحدة يجعلنا نتخطى هذه الأزمات والتغيرات الجوهرية في تاريخ سوريا بأقل الخسائر والأضرار، فالفوضى بيئةٌ ملائمةٌ لجميع الأوبئة والفيروسات التي تتغلغل في لحمنا وتجعل منا هشيمًا تذروه الرياح، وبالتالي تعود علينا الثورة بالخسران.

تابعنا على تويتر


Top