استحالة انفكاك الثوار عن “فتح الشام”

محمد رشدي شربجي

ارتكبت النصرة خلال وجودها في سوريا ثلاثة أخطاء فادحة كان لها أثر مدمر على الثورة السورية:

بدايةً كانت جبهة النصرة حصان طروادة الذي دخل منه تنظيم “الدولة الإسلامية” ليجد له موطئ قدم في سوريا، ولا شك أن تنظيم الدولة هو أكبر كارثة نزلت بالثورة السورية على الإطلاق.
فعدا عن المجازر الرهيبة التي ارتكبها بحق أبناء المناطق التي أخضعها بالقوة (في سجل التنظيم اليوم مجزرة بحق عشيرة الشعيطات راح ضحيتها 800 إنسان وهي من أكبر المجازر التي نفذت في سوريا منذ انطلاق الثورة)، فقد ألقى طوق النجاة لنظام الأسد الذي بات اليوم شريكًا في الحرب الإرهاب، كما شكلت الحرب عليه فرصة لحزب الاتحاد الديمقراطي للقيام بمشروعه في الشمال السوري.

وثانيًا حملت النصرة من خلال إعلان ارتباطها بالقاعدة الثورة السورية عدوًا بحجم أمريكا، في وقت لا تكاد الثورة فيه تقوى على أعدائها المباشرين، فالحرب بين تنظيم القاعدة وأمريكا سابقة على عمر الثورة السورية، وماتزال الثورة السورية تدفع إلى اليوم ثمن الطريقة التي عالج بها الجولاني مشكلته مع البغدادي بهربه إلى القاعدة.

وأخيرًا وخوفًا من تسرب العناصر لصالح داعش، العدو الرئيسي الجديد داخل الفضاء السلفي الجهادي، كانت النصرة جزءًا من حراك أدى إلى حرف الثورة عن مسارها وأدخلها في مزاودات مزقت صفها، وجعلت مسلمات الثورة الأولى مثل الحرية والديمقراطية والعدالة وعلم الثورة محل شك وصراع دائم.

في كتابه المهم “الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية”، يبين الكاتب محمد أبو رمان أن الخلاف بين تنظيم القاعدة العالمي وفرعه العراقي (دولة العراق الإسلامية)، قائم بين الطرفين منذ ما قبل الثورة، ويمتد الخلاف من المرجعيات الفكرية إلى التكتيكات العسكرية إلى السلوك الميداني السياسي للطرفين، وبالمحصلة خلصت جبهة النصرة أن تجربة دولة العراق الإسلامية، والتي كان الجولاني نفسه أحد جنودها، فشلت لأنها استعدت عليها الحاضن الاجتماعي واستعدت عليها الجميع لتبقى في النهاية بلا نصير.

ولذلك أخفت النصرة ارتباطها بالقاعدة لأكثر من عام، وسعت ببراغماتية شديدة (تمثلت ببعض الأحيان بإيصال النفط للنظام من دير الزور مقابل الحصول على الغاز لتوزيعه على الأهالي) على تقوية صلتها بالحاضنة الشعبية، من خلال تأمين الخدمات للمناطق التي تسيطر عليها وحماية ممتلكات الناس وأرزاقهم، وهو ما زاد شعبيتها إلى حد كبير داخل مناطق المعارضة التي تتعرض لحرب إبادة على مدار الساعة من قبل النظام مقابل تباطؤ وتواطؤ أمريكي واضح.

اليوم بعد خمس سنوات من المجازر اليومية تتفق روسيا وأمريكا على حرب تنظيم الدولة وجبهة النصرة، وهو ما أجبر النصرة على فك ارتباطها بالقاعدة وتغيير اسمها بالرغم من مطالبات الثوار بهذه الخطوة منذ ثلاث سنوات، وتكثيف التعاون العسكري مع فصائل المعارضة وهو ما ظهر في فتح حلب الشهر الماضي.

تنتشر جبهة النصرة في كافة مناطق المعارضة اليوم، وتحظى بشعبية ليست قليلة، ويغلب العنصر السوري بنسبة أكثر من 95% على عناصرها، ولم تخض حربًا مفتوحة على فصائل الجيش الحر، بالرغم من أنها فككت عدة فصائل تابعة له في كثير من المناطق.

شئنا أم أبينا فإن جبهة النصرة، أو فتح الشام، هي فصيل من فصائل الثورة ويعمل بالتنسيق مع باقي الفصائل في معظم الجبهات المشتعلة. وفي ظل دعم أمريكي لن يأتي، وقصف روسي سوري إيراني لا يتوقف على مدار الساعة سيكون من الاستحالة على باقي فصائل المعارضة، حتى لو أرادت، أن تميز نفسها عن فتح الشام.

طالما أن التمايز مستحيل، فلن يكون مصير الهدنة الحالية بأفضل من الهدنة السابقة، وسرعان ما سيطال القصف كل مناطق المعارضة بحجة أنها مناطق فتح الشام، ولكن هذه المرة قد تكون بمباركة و”تنسيق” أمريكي، ومرة أخرى تضع روسيا وأمريكا جبهة فتح الشام أمام خيار وحيد هو أن تقترب أكثر من المشروع الوطني، وهو، مرة أخرى، ما كان يطالب به الثوار منذ البداية.

تابعنا على تويتر


Top