حماة بين التدمير والتحرير

حذام زهور عدي

تأخر التحاق حماة بمظاهرات الثورة السورية، وكأنّ ما جرى للمدينة أوائل ثمانينيات القرن العشرين أورث أهلها حذرًا في بدء الحراك السلمي، فقد لا تعم الثورة البلاد كلها فيستفرد الأسد الابن بهم كما فعل الأب، وقد يستفيد الابن من إجهاضها فتستمر سلالته حاكمة البلاد إلى أجلٍ غير مسمى، كما استثمر الأب تمرد الطليعة المقاتلة بحماة فحوّل تهديد عرشه إلى قوة فرضت نفسها إقليميًا وعربيًا ودوليًا، هذا عدا عن الكوارث الإنسانية التي ماتزال أسر كثيرة تعاني منها، لكنّ المدينة سرعان ما تلافت تأخيرها بمظاهرات مليونية لفتت انتباه العالم لها، وأخرج بركانها الصامت كل ما اختزنه من قهر وظلم وإذلال أوقعه المستبد الفاسد بها، ما أدهش سفيري الولايات المتحدة وفرنسا، اللذين حضرا إحداها، ومازالت صورها تتصدر الإعلام كرمزٍ للثورة السورية حتى وقتنا الراهن، وهي ليست فقط كدليل على سلمية الثورة التي أرادها الشعب السوري، بل أيضًا رد مع مثيلاتها بالمدن الأخرى، يقلع عين بوتين الذي يتحدث بعنجهية عن موقف الشعب السوري من الأسد ونظامه، وكأنه لم يسمع هتافات الشعب المذبوح ظلمًا “الشعب يريد إسقاط النظام”.

عندما بدأت مرحلة العسكرة، انسحب شباب حماة من الشوارع، وتذكروا الفخ الذي نصبه لهم الأسد الأب عندما سحب أجهزة الأمن والشرطة والجيش من المدينة، حتى بات أهلها يعتقدون أنها تحررت من سلطته وأن المدن الأخرى ستكون التالية سريعًا، وفوجئ بعضهم بالسلاح الخفيف يُلقى على أبواب الجوامع، ومكبرات الصوت تنادي إلى الجهاد.. إلى الجهاد.. وكانت النتيجة حصاد رقمٍ لا يُعرف بدقة من الشهداء، وكوارث إنسانية واجتماعية يشيب لهولها الولدان، عدا عن التدمير الذي لحق ببنية المدينة الأثرية القديمة والحديثة.

مرَت سنوات خمس على المدينة وهي صامتة لا تُبدي حراكًا، كانت فيها ملجأ لكل مهجر من حمص وريفها إلى حلب وريفها الجنوبي إلى إدلب وريفها الجنوبي الغربي إلى ريف حماة نفسها إلى ما تيسر من المدن المهدمة الأخرى، حتى أصبح عدد سكانها يفوق المليونين، مع أن عددهم قبل الثورة كان وفق آخر إحصاء للمدينة نفسها حوالي 870 ألفًا، ومن زار المدينة مؤخرًا لم يرَ من شبابها إلا من كان مواليًا شبيحًا، وهم القلة، أما البقية فقد اختاروا أحد طريقين: إما الهجرة حتى لا يقبض عليهم قانون الجندية الإجبارية أو الالتحاق بفصائل الثورة المسلحة وهم كُثر، هؤلاء فضّلوا أن يحاربوا مع الجيش الحر بإدلب وحلب وريف حماة من أن يبقوا في المدينة ويُعطوا النظام الأسدي ذريعة تدمير مدينتهم مرة ثانية، فقد كانوا يَعون جيدًا حجم الحقد الذي يحمله لها، ويُدركون من خلال التجربة السابقة أن بقاءهم في المدينة لا يجوز أن يكون “عسكريًا” إلا بعد تحرير أهم المعسكرات المحيطة بها، وبعد ضمان الاستمرار والثبات، وقد علّمتهم التجربة فهم الاستراتيجيات العسكرية وموقع المدينة منها.

حاول النظام الأسدي بشتى الوسائل استفزاز أهل حماة، فملأ شوارعها بالحواجز، وسلّط مجرمي الطائفة ومجرمي من التجأ إليها يستفزونهم، سواء بالخطف ودفع الفدية أو السرقات ونهب البيوت أو التحرش بالفتيات بحجة التفتيش على الحواجز أو بالتحدي العلني لما عُرف من الأخلاق الجمعية لأهل المدينة، كإحضار فتيات ما يُسمى الدفاع الوطني إلى ساحة المدينة وشرب الخمر علانية مع التفوه بأقذع العبارات وأكثرها إذلالًا للمارة إلى آخر ما هناك من ممارسات الاستفزاز والتحدي، وأهل حماة صابرون يستعينون بالله على ما ابتلاهم من هذه الشرذمة التي لا تعرف خلُقًا أو انتماءً لوطن أو أمة أو دين.

جاءت معارك حلب، وتفريغ داريا والمعضمية وحي الوعر بحمص، ورأى ثوار حماة أنّ عليهم أن يتحركوا، فالفرصة مواتية لتقدمٍ مهم لهم، الجيوش الموالية للأسد تُستنزف كرًا وفرًا في حلب وريفها الجنوبي، وعليهم أن يساندوا إخوتهم ليس فقط لتعديل الموازين أمام المفاوضين، وإنما قد تكون فرصة لا تعوض لتخليص المدينة من البلاء الذي نزل فيها، فحتى لو أوقعوا الخوف بقلوب من يعيث فيها فسادًا فهربوا أو اختفوا فذلك ربح كبير.

وهكذا أشعل الثوار الريف الحموي على ثلاثة محاور وحصل تقدم مدهش أوصلهم إلى أطراف المدينة أحيانًا، وعَلت أصوات النصر، وبدأت المماحكة الإعلامية بنقل أخبار المعارك، وتساءل السوريون: هل سيدخلون المدينة ويحررونها وينظفون الدنس الذي لحق بها أم سيكتفون بحصارها من الخارج حتى يتجنبوا تدميرها؟

طرح ثوار ريف حماة الشمالي سؤالًا محيرًا كان قد طرحه غيرهم من قبل، والمسألة أنهم، كما غيرهم، عندما يحققون انتصارًا ما، تبدأ التصريحات تتحدث عن خططهم الاستراتيجية بسقفٍ واضح الارتفاع، بينما هم قبل غيرهم يعلمون أن إمكانياتهم وظروفهم الميدانية وغيرها لا تسمح بتحقيق ما يطمحون إليه، وهم مع الإعلام المساند لهم يظنون أن تلك الطريقة الإعلامية تُنقذ السوريين من اليأس، الذي بدأ يتسرب إليهم، ولا يتنبهون إلى أن الأيام التالية القريبة سرعان ما تكشف أن عجزهم عن تحقيق ما تمنّوه وتمناه معهم السوريون المساكين، يزيد إحباط الشعب المنكوب، الذي يشعر بأنه دخل في معركة كلامية لا واقع لها، حدث ذلك في حلب وفي ريف حماة، ولو أعلن الثوار أن حربهم حرب كر وفر، تنتهج حرب التحرير الشعبية أو ما يُشابهها وأن أي انتصار يُحققونه هو انتصار مؤقت هدفه استنزاف العدو وتغيير التوازن العسكري وتخفيف الضغط على جبهات أخرى، لأراحوا السوريين والإعلاميين خاصة، من مماحكة كلامية تدور حول سؤال : هل يحررون المدن حتى لو دُمرت، أم يكتفون بإسقاطها عسكريًا ويتركون أهلها آمنين؟

بكل تأكيد ماتزال شروط الانتصار العسكري المحض على كامل الأرض السورية، بعيدة عن الوقائع، وأمنية السوريين اليوم الأهم أن يُحققوا تلك الشروط ذاتيًا، ليستطيع أي حلٍ أن يؤتي ثماره. لكنّ ما يتمنونه أيضًا ألا يكونوا بموقف من ” الصيف ضيعت اللبن”.

تابعنا على تويتر


Top