الجيش الاميركي يتحكم بالسياسة السورية؟

حسين عبد الحسين – المدن

تحولت الاتفاقية الاميركية-الروسية حول الهدنة في سوريا الى أحجية، فلا بنودها معروفة، ولا الموقعون عليها يلتزمون ببنود وقف الغارات الجوية أو السماح بإيصال مساعدات انسانية الى المناطق المحاصرة. كما يغيب التوافق الاميركي-الروسي حول تحديد من هي المجموعات الارهابية المسموح باستهدافها، أو من هي الفصائل المعارضة المسلحة الممنوع ضربها.

ويزيد في الارتباك خروج الاختلاف الاميركي-الاميركي حول الاتفاقية مع الروس الى العلن، وهو ما يتطلب شرح سبب التضارب في المواقف الاميركية.

يوم الجمعة ما قبل الماضي، الذي شهد اتفاق وزيري الخارجية جون كيري وسيرغي لافروف في جنيف، اليوم الذي اقام فيه لافروف مضافة وقدم البيتزا والفودكا للصحافيين المواكبين للاتفاق، كان اليوم الذي توسّل فيه كيري المؤسسة الدفاعية الاميركية للموافقة على الدخول في اتفاقية هدنة في سوريا، مقابل تعاون عسكري أميركي-روسي حول مكان انتشار المجموعات التي تعتبرها واشنطن إرهابية.

القيادة العسكرية في الولايات المتحدة مستقلة تماماً عن الحكومة. التعيينات والترقيات والموازنات تتم باستقلالية عن الادارة، التي تسعى لدى الكونغرس لتحصيل ما يطلبه العسكر. في المقابل، لا يتدخل العسكر بتاتاً في شؤون السياسة، الا المتقاعدين من الضباط. هذا الترتيب يعني ان العسكر يأتمرون بأوامر السياسيين في السياسات الحربية حول العالم، لكن الى حدود معينة، فالضباط يعملون في الخدمة العامة فترات اطول بكثير من السياسيين، الذين يدخلون البيت الابيض ويرحلون.

بيد أن في العسكر، على عكس السياسة، من المفروض مراعاة الاهداف الاستراتيجية والطويلة المدى، بغض النظر عن الرأي العام الاميركي او مواقف السياسيين المتقلبة باستمرار. حتى الرئيس السابق جورج بوش الابن، يوم ذهب الى حرب العراق، اضطر للاستعانة بـ “سي آي ايه”، والرأي العام، والكونغرس، لجرّ الجيش المتردد الى الحرب هناك. ثم تراجع بوش وسلّم فشله إلى الجيش، فجاءت “خطة زيادة القوات” والتحالف مع “الصحوات” لتثبيت الوضع الأمني هناك.

ويوم كاد العقيد الليبي معمر القذافي يرتكب مجزرة بحق مواطنيه في ليبيا، خرجت عن طورها سامانثا باور، السفيرة اليوم في الأمم المتحدة وكانت في حينها عضواً في مجلس الأمن القومي الأميركي، وسعت لتدخل أميركي. لكن الجيش لم يكن يرى مصلحة اميركية في التدخل، وعطل جهود باور. لكن عندما شعرت القيادة العسكرية بضرورة التدخل، تسلل رئيس الاركان السابق مارتن ديمبسي الى الليموزين الرئاسية، وعندما ترجل مع الرئيس باراك أوباما منها، باشر الرئيس في عقد مؤتمر صحافي أعلن فيه عن بدء العملية العسكرية الاميركية هناك.

إذاً، للجيش الاميركي كلمة وازنة في قرارات الحرب والسلم حول العالم، وهي كلمة غالبا ما تبقى بعيدة عن الانظار. لذلك، يوم راح كيري يستجدي المؤسسة الدفاعية لقبول اتفاقية الهدنة السورية مع روسيا، لم يوافق العسكر، فيما خرج أوباما ذلك اليوم لممارسة لعبة الغولف، معلناً انسحابه من المسألة السورية وترك تدبيرها لمساعديه.

في سوريا، بدأ التدخل الاميركي مع محاولة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) تدريب بعض الثوار وتزويدهم بالاسلحة الخفيفة. لم يكن الهدف دعم الثوار عسكرياً، بل تحديد من هم، وما علاقاتهم ببعضهم البعض، وتحديد المعتدل من المتطرف. لكن مع انهيار قوات الحكومة العراقية في الموصل وتدخل الجيش الاميركي جواً لانقاذ الوضع، بدأ التدخل العسكري الاميركي شمال غرب العراق، ثم شمال شرق سوريا. بعد تورط الجيش الاميركي في حربي الشمال، انحصر عمل السي آي ايه في الجنوب (في ما يعرف بغرفة الموك).

مدير الـ”سي آي ايه” جون برينان هو مستشار أوباما السابق لشؤون الارهاب وهو مقرب من “رجال الرئيس”. كيري سعى لدى برينان من أجل الدخول في الاتفاقية مع الروس، لكن بنك اهداف المجموعات شمال سوريا ليس في ايدي “سي آي ايه”، بل في ايدي “وكالة الاستخبارات الدفاعية” التابعة للجيش، ما يعني أنه من دون موافقة “القيادة الوسطى”، لا تنفع موافقة برينان وحدها.

بدورها، تتمتع “القيادة الوسطى” للجيش الاميركي بعلاقات مستقلة مع مقاتلين داخل سوريا بعد فشل برنامجها لتدريب معارضين، استبدلته بتحالف مع الاكراد والعرب التابعين لهم.

ولكي تعمل اتفاقية الهدنة الاميركية مع الروس، من المطلوب دخول الجيش الاميركي فيها، والاخير ليس متوجساً من الروس فحسب، بل يراقبهم عسكرياً ويعرف نواياهم، ويتحسب منهم استراتيجياً، على عكس كيري الثرثار. ثم إن الادارة، بما فيها كيري، تعتقد بمحدودية القدرة الاميركية على تغيير الوضع في سورية، لكن الجيش يعتقد عكس ذلك، وهو ما بدا جلياً عندما طرد الجيش مقاتلات الأسد من الحسكة، أو حتى في “الخطأ” الاميركي الذي كبد قوات الأسد قرابة ٨٠ قتيلاً، السبت الماضي، في ديرالزور.

هكذا تسلم بوتين لائحة أميركية “كيفما اتفق” للأهداف الارهابية شمال سوريا، لأن الجيش وافق على السكوت، ولكنه لم يوافق على التعاون. وهكذا، صارت الاتفاقية الاميركية – الروسية للهدنة في سوريا “طبخة بحص”، وهي طبخة يصعب تمريرها في “مجلس الأمن”، أو في أي مجلس آخر.

تابعنا على تويتر


Top