هل ماتت الثورة في رحم أمها قبل أن تولد؟

Syria-Darayya-Damascus.jpg

شاب يودّع مقبرة الشهداء في داريا - 26 آب 2016 (عنب بلدي)

عبد المجيد أبو أحمد

هناك على بعد ثمانية كيلو مترات جنوب غرب العاصمة دمشق، في منطقة سهلية منخفضة وعلى رقعة لا تتجاوز كيلو متر مربع واحد، وبلا سابق إنذار تم إزالة الساتر الترابي الكبير في نهاية الشارع المطل على ثغور الجبهة المقابلة لجيش النظام فتراءت من خلفه جموع غفيرة كأنها خزان بشري قد حبس خلف هذا السور العظيم.

وقف الجميع وعيونهم ترمق المشهد خلف غبار الساتر فما إن تلاشى ضباب الغبار قليلًا حتى توضحت الصورة لدى الناظرين، أسطول طويل من الباصات الخضراء والبيضاء كانت تصطف خلف بعضها وهي تتحرك بنسق متصل وتدخل من بين الركام المتحطم للأبنية ببطء شديد، حتى تحمل على متنها المئات من الركاب الذين كانوا مبعثرين ومشتتين في حلقات دائرية في الساحة الكبيرة، بين حطام الأبنية وركام السيارات.

كل واحد يحمل بيديه من أمتعته ما خف وزنه وغلا ثمنه والشمس تحرق وجهه والعرق يتصبب من جسده، طفلة صغيرة تحمل لعبتها التي صنعتها من بعض الصوف المهترئ في المدينة، بدت سوداء يلطخها الرماد من كثرة البراميل. كانت تلك الطفلة تقف وتحتضن دميتها والدموع تملأ وجنتيها حزنًا وأسىً، ولكن على ماذا؟ علها حزنت على تركها لمنزلها وحديقتها الصغيرة التي ساعدت والدها في زراعة بعض الأعشاب فيها حتى تقتات وعائلتها عليها.

في زاوية أخرى في نهاية الشارع وقف شيخ كهل، واستند على عكازه وهو يحاول أن يتحامل عليها ليكمل خطواته إلى الباص الأول حتى يصعد بداخله هربًا من لحظات الفراق والوداع القاسية على الجميع.

ولكن إلى أين سيذهب؟ وإلى أين سيذهبون؟

لا أحد من كل هؤلاء يعلم سبب خروجه ولا وجهته الحقيقية، ولا إن كان سيصل إليها أم لا، كل ما أخبروا به أنهم سيذهبون إلى مكان أفضل حالًا من جحيم الموت والجوع والأسى والشقاء والمعاناة التي عاشوها طيلة أربع سنوات.

في مكان ليس ببعيد عن مشهد الباصات على بعد مئات من الأمتار يحكي لك كل شيء قصة المأساة، الحجر والشجر والجماد والرماد.

هناك حيث قضت هذه الجموع الغفيرة أربع سنوات متتالية تحت وابل النيران وكماشة الحصار في مدينة لم يبق فيها شيء من معالم الحياة. إنه المكان المقدس حيث تربعت مدينة داريا تلك المدينة الصابرة الصامدة، حيث القصف والدمار والخراب والقتل والتشنيع.

بين أبنيتها ارتكبت المجازر واستبيحت الدماء، وفي سمائها حلقت الطائرات وأسقطت آلاف البراميل فدمرت عمرانها، وخربت أساساتها وهدمت مساجدها وقتلت أهلها، ومن قمة الجبل، الذي طالما كان مأمن أهلها وملاذهم، كان الموت يفتك بهم بصواريخ المدافع والراجمات.

لا أحد يعرف قصة هذه المدينة إلا نادر من دخلها، فقد دفعت من أفلاذ كبدها ما لم تطق دفعه غيرها، وقدمت ما لم تتحمله أخرى مثلها، ولم يبق فيها من آثار العمران شيئًا، فالمشهد من قريب يسمح للواقف في زاوية ما بمشرقها رؤية أثر آخر شجرة في مغربها، لقد تم مسح كل شيء، ولم يتبق من الأبنية إلا آثارها وآثار قاطنيها فقد تم نفيهم جميعًا وهجروا عنوة بعد أربع سنوات من الصبر على أشرس المعارك التي يمكن للبشر أن يتحملوها.

وقفت بين الباصات أتفقد أعداد الراكبين وأسماءهم وأوثق كل باص وأغلق بابه بيدي، حتى أتأكد من وصول جميع الراكبين إلى المنطقة المخصصة لهم، وثقت بيانات الراكبين لـ 42 باصًا على مدار 48 ساعة، المدة التي انتهت بها الحياة في المدينة، من لحظة الاتفاق وحتى خروج آخر باص.

أيام وأيام مرت على داريا وهي تنتظر فرجًا من أي مكان وبأي طريقة كانت. وقفت أشاهد وأنا أحاول تكذيب ما أرى بعيني… هل هذا هو الفرج الذي كنا ننتظره؟ وهل حقًا خروج الناس من المدينة بات ثمنًا سيدفع من أجل الحفاظ على حياتهم؟

آه كم هي صعبة هذه الحياة.

نظرت إلى وجوه الناس وهي تدافع عَبَراتها.. لم أجد ابتسامة على وجه أحد فكل هذه الجموع كانت تبغي حياة كريمة، وتريد لقمة عيش بسواعد شبابها، وتريد حياة آمنة مطمئنة، ولكن أن يكون ثمن ذلك أرضهم التي من المحال فصلها عن أفئدتهم.. كان ذلك صدمة مروعة للناس. هل سيخسر أهل داريا أرضهم حقًا؟

داريا التي عاش الناس فيها المأساة والمعاناة، التي تجسدت بكامل أوصافها وتفاصيلها، فأطفال المدينة لا ترى من أجسادهم سوى شبح العظام فلا طعام يغذي ولا دواء يعالج.

حُرم الأطفال من أبسط حقوقهم وحرمت المدينة بأكملها من حق الحياة بأمان، وعن أي أمان تتحدث عندما يكون نصيب المدينة أكثر من 70 برميلًا كانت تتلقاها في كل يوم، ناهيك عن قذائف الهاون وراجمات الصواريخ والمدفعية.

سماء المدينة كانت تعج بالطائرات بين غادية ورائحة، وكل واحدة تأتي محملة بلائحة الشهداء الذين كتبت أسماؤهم على براميلها مسبقًا، لا رائحة لعنب داريا بعد اليوم وإنما هو دم خالص قد اختلطت حمرته بلون العنب.

ما إن تغادر الطائرة بعيدًا، حتى ينتشر الناس في الشوارع بحثًا عن لقمة عيشهم، فإذا أتت الطائرة الثانية بعدها، فلا ترى أثر أحد إلا في المغارات والملاجئ والحفر والأقبية.

لا طعام يأكله الناس هنا سوى حشائش يزرعونها في أحواض صغيرة حول المنازل وحلة من الماء الملون يتخللها بعض حبات الأرز المسلوق.

الخبز لا يعرفه الصغار منذ سنوات، والفواكه باتت من المنسيات لدى أهالي المدينة، ورغم كل ما يجري يخرج الطفل ليمشي في الطريق وهو لا يدري أيرجع إلى منزله أم لا، وهل حقًا يمكن لأحد في الدنيا كلها أن يعيد له أمه، التي قتلتها البراميل أو يعيد قدم أخيه المبتورة، أو أن يعيد منزله المهدم، بل وأين أصدقاء المدرسة ليلعب معهم؟

ترتسم ابتسامة الرضا على وجه الأطفال، إنها ابتسامة الأمل، ترى أنهم تعلموا هنا في مدرسة الحصار أسرع من الكبار، لا يعرفون أممًا متحدة ولا وفود المعارضات ولا حكومة وحدة وطنية، لقد علمتهم جدتهم أن الذي سيغير هذه الحال إنما هو الله الذي نسيه كثيرون ممن ينتظرون نتائج المؤتمرات والوفود.

هؤلاء الأطفال يعلمون ويثقون أن الله الذي خلقهم لن ينساهم من لقمة عيش الغد، فهم ينامون قريري الأعين وبمعدة لا تعرف إن كانت ستأكل في الغد أم لا، ويخرجون في كل صباح من القبر السفلي تحت أرض المنزل، وكأنها حياة جديدة، وهم على يقين أنهم ربما لن يعودوا ليناموا على تلك الوسادة التي باتت مثقلة بأوجاعهم، فليس هناك ما يخيف أو ما يجلب لهم البؤس والشقاء بعد اليوم. فالموت بات أجمل صديق منتظر.

بدا صراخ الناس عاليًا وهم يتدافعون للصعود، التفت إليهم وصحوت من سكرتي، والأفكار ماتزال تتدافع في مخيلتي ومشاعر لا أعرف سببها ولا كينونتها كانت تجثم على صدري، ودمعة حارة لم تغادر عيني بقيت تحرق المشهد الذي كنت أرنو إليه حتى غدا أحمر اللون.

تفقدت الأوراق التي كنت أحملها بيدي وراجعت سجلاتها مرارًا، حتى أتأكد من أن المدينة كلها قد باتت ترقد في تلك الباصات أمامي، وتردد في أذني صوت أحد الركاب ينادي أخاه الذي كان مايزال يجهز أغراضه وأمتعته.

هل أطعمت الدجاج قبل أن تأتي إلى هنا؟

وامرأة تسأل ابنتها هل أغلقت باب المنزل قبل قدومك؟

وعجوز كان قد فتح مياه خزانات المنزل على مزرعته الصغيرة قبل صعوده إلى الباص.

تساءلت في نفسي وما ينفع المرأة باب منزلها أكان مغلقًا أم مفتوحًا، وما الذي يمكن أن يصنعه ذاك الرجل بالدجاج، إن كان سيخرج بلا عودة، وهل حقًا سيأكل ذاك العجوز من مزرعته التي ترك خزان المياه مفتوحًا لسقايتها، مشاهد كانت تصدر عن أصحابها بعفوية على أمل أن يكون خروجهم منامًا محتملًا لا حقيقة صادقة.

أذّن العصر بصوت مرتفع قطع معه بقايا ضجيج الراكبين في الباصات، ففتحت أبوابها من جديد ونزل منها صناديد من المجاهدين ووقفوا بصف منتظم لصلاة العصر، وكبر إمامهم بصوت يرعد الواقفين ويزلزل بصوت تكبيراته أفئدة ضباط الجيش الذين ابتعدوا عن المشهد من رهبته، لقد كنت سعيدًا أن سجدت جبهتي على أرض داريا قبل أن أخرج منها بلحظات… انتهت الصلاة ودعا الإمام دعاءً أبكى الحاضرين وأعاد إليهم الأمل أن خروجنا اليوم لن يكون إلا للتجهيز للعودة من جديد.

صعدت إلى آخر باص مغادر للمدينة بقلب يعتصر ألمًا وأنا أدفع عَبَراتي وذلك في عصر اليوم 27 من آب 2016، وانتهت بذلك قصة أسطورة من الثورة الخالدة المجيدة.

قصة تروي أروع الأمثال بالصبر على المشاق والمعاناة والألم والشقاء والخوف والجوع والتعب. كان آخر راكب في باصات النظام قد أغلق الباب خلفه لتترك المدينة خالية من أي حياة.

لم تنتهِ القصة هنا، فما كان ذلك إلا نهاية المشهد، فالقصة بدأت بنفس التاريخ ولكن قبل أربع سنوات.

تابعنا على تويتر


Top