حلب: الموت رحمة

مهند الحاج علي – المدن

تحت ركام مبنى في حي المواصلات القديمة الحلبي، رقد أب يحضن طفلاً رضيعاً، ويضع يده اليمنى على رأسه. أظهرتهما صورة نشرها الدفاع المدني، متجمدين في سرير غطاه الركام وطبقة من الرماد الكثيف. لحظة سلام نادرة في حلب، ولا يوفرها سوى انقطاع النفس. التنفس عبء في هذه المدينة. في الصورة ذاتها، أحد رجال الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) يُزيل الأنقاض المحيطة بالضحايا لانتشالهم، أو ربما بحثاً عن أحياء تحت الركام.

لكن أين الأم؟

بعدها بساعات، تنشر صفحة الدفاع المدني على الفايسبوك، صوراً وفيديو لمجزرة في حي ”بستان القصر“. 13 قتيلاً و150 جريحاً. 150؟ أي يذهب مثل هذا العدد لتلقي العلاج؟

كانت الغارات الجوية دمرت كل مستشفيات مناطق حلب الخارجة عن سيطرة النظام خلال أسبوع واحد في تموز الماضي. لم يجد هؤلاء الجرحى سوى أرض مشفى ميداني (شقة خالية). لا أسرة طبعاً. أنابيب المصل تتدلى من السقوف والجدران، وصراخ الجرحى يتعالى في الغرف الضيقة المكتظة بهم. رجل أُصيب بعينيه ولُفت بقطع قماش تُغطيها الدماء، وآخرون مُزّقت أطرافهم يواصلون تحريك رقابهم ورؤوسهم صعوداً ونزولاً، وكأنهم يُحاكون وسادات مفقودة.

والمستشفى، من ناحية التصميم، أروقة وغرف وأسرة وتعقيم ومعدات. لكن في هذا المشفى الميداني في حلب، العملية عكسية. ينام الجرحى على الأرض وتختلط دماؤهم وعويلهم، والأرجح أيضاً روائح الدماء والعرق. هذا اجتماع لسيئي الحظ، أي ممن بقوا على قيد الحياة وسط هذا الدمار ومصانع الموت، جواً وبراً. هم أحياء بانتظار جولة أخرى من الموت.

والدفاع المدني، علاوة على عمله الميداني، يُوثّق على صفحته تحولات المدينة، وتحديداً هذه الأحياء المستهدفة دوماً، أي ”المواصلات القديمة“ و”الباب“ و”بستان القصر“. شُرفات الأبنية تتدلى منها عمودياً، وتأخذ معها بعضاً من الغرف الأمامية. فلا زوايا هُنا ولا أشكالاً تُوحي بالباطون المتماسك. فهذه الحرب، وعلى عكس النزاعات الأهلية، لا تُظهر آثار الرصاص، بل مُخلّفات أمواج من الانفجارات المتتالية. إنها حرب من طرف واحد. فمن يملك السماء، أي طيران روسيا والنظام السوري، يتصرف كمسلح دخل الى منزل يقطنه مدنيون يُريد الانتقام منهم في أفلام المافيا. يُطلق نيران رشاشه الأوتوماتيكي دون توقف، ويتفنن بقتل كل واحد منهم، يُغدقه الرصاص بكرم شديد. لا منازع هُنا بل فضاء رحب لامتحان القدرة البشرية اللا متناهية على الشر والتلذذ بالقتل.

والبراميل تتساقط منذ سنوات على هذه الأحياء، ثم جاءت المقاتلات الروسية بغاراتها المتتالية، والقنابل العنقودية. خلال الأيام الماضية، سمعنا باستخدام قنابل اختراق التحصينات أو ”مدمرة الملاجئ“ المعروفة بإسم Bunker Buster. هذه لا تُدمر فحسب بل تحفر الطوابق السُفلية أيضاً، إن كان هناك من يختبئ بها لحماية أطفاله، وهي جريمة في عُرف النظام والقوات الروسية.

مثل هذا النوع من التدمير ينتقص من عمل الدفاع المدني. لن تترك لهم القوات الروسية طفلاً يُنقذونه. وقد طال القصف مركز هنانو للدفاع المدني، وحرم بالتالي المنطقة من سواعد تنتشل ضحاياها.

في منشور لاحق، يكشف ”الدفاع المدني“ مصير المرأة، أم الطفلين القتيلين في ”المواصلات القديمة“، وزوجة الأب المغطى بالغبار وهو يُعانق طفله. ”خرجت على قيد الحياة“ من تحت الأنقاض، أعلنت الصفحة. في صورة منشورة مع الخبر الموجز، تحمل الأم طفلها، ابن الـ8 شهور. تشده إلى صدرها وقد غطاه غبار الركام الممزوج بالدم، وتنظر إلى السماء مفجوعة. إلى من كانت تُوجه أنظارها؟ إلى القاتل؟ أم إلى الله؟

أن تُفجع أم بعائلتها الكاملة، صنف خاص من التعذيب. لا سلام هنا. في مثل هذه اللحظات، الموت رحمة!

تابعنا على تويتر


Top