“العيال كبرت” في مجلس الأمن

أحمد عمر – المدن

الليلة الكبيرة، ليلة الاثنين في جلسة مجلس الأمن حول حلب، رأينا العريس بشار الجعفري، وهو يتحدث عن عبث اختراع الدولاب، فالمخترع معروف، وهو رئيسه! ولا علاقة لعرسه بعرس مشهور للروائي الطاهر وطار. كان سعيداً واثقاً، وهو لم يكن إلا كذلك، وكان هذه المرة متفائلا باستعادة كل قطعة أرض احتلها سوريون غاصبون قدموا من كوكب غيغا.

كان الجعفري سعيداً، ويتكلم حبةً حبةً، متيحاً الوقت للمترجم حتى يختار الأزياء المناسبة لهمسات آخر الليل، هو مرتاح فعنده وسادتان من الفيتو، ينام عليهما قرير العين هانيها، وفراش وثير من صوف الاعتذار الأمريكي وباله الطويل. لا نعرف إن كان أوباما كتب في أسفل الاعتذار: منحبك، أو: بالروح والدم نفديك يا بشار.

قال “جو” في كلمته إن الدول كلها لها عاصمة واحدة، أما سورية المحظوظة برئيسها المفدى، فلها عاصمتان. سيدمر الاحتياطية، والثانية ستكون للتعايش، ومقاومة إسرائيل، وصناعة محور المقاومة، وتصوير مسلسلات الفانتازيا التاريخية التي يحبها “الشعب”…

استمتعنا كثيرا بالعرض المسرحي في مجلس الأمن: عندما حرد المندوبان البريطاني والأمريكي أثناء كلمة الجعفري: وهما يقولان للحبيب: ح نسيب البيت ونمشي يا جو. وتركا له البيت، ولا نعرف إذا كان الجعفري قد نظر إلى مؤخرتيهما وهما يغادران القاعة أم لا؟

سعدنا بالعرس: المندوب الفرنسي المبصر، وصف الحملة على حلب بأنها عمياء، مندوبو الدول النووية العظمى كلهم صاروا مراسلين وإعلاميين ونشطاء سياسيين مثل مراسل البي بي سي الاستعمارية، الذي يأخذ صوراً تذكارية مع جيش النظام في دمشق. لا بأس بدسِّ قليل من السم في العسل، في الحق هو سمٌ كثير، فبان كي مون هبطت عليه الفتوحات والرؤى وقال: لا يمكن أن يكون أهل حلب كلهم إرهابيين! والله؟ يمكن أيضا أن يكون فيهم أبرياء وأطفال ونساء يا خواجة، فهذا في علم الغيب؟ لكنهم يمكنهم أن يكونوا دروعا بشرية، والدروع أدوات حرب، مثل السارين، وحلال قتلها أو مصادرتها، ضحايا أو لاجئين غارقين.

ديمتسورا، متعهد حفلات النساء الشاميات “المتحضرات” تحديداً، ذكر في سياق تقريره الإخباري عدد المدنيين في حلب الشرقية، بعد حسم و”أوكازيون” جيد: أنهم مئتين وخمسون ألفا! العدد نقص مع مندوب روسيا فيتالي تشوركين إلى مائتي ألف، فالبضاعة القديمة يرخص سعرها. مندوب بوتين لنك (الأعرج) أيضا تحدث عن دروع بشرية حلال قتلها، المعنى: لا تتدرعوا بالبشر … سنقتل الجميع، القتل للوطن والوطن لسيده، والدروع أدوات. وتحدث عن صبر الطبيب الأسد الطويل وحملاته الجوية العلاجية لإخراج الإرهابيين من حلب.

ماثيو رايكروفت بدوره، دسَّ جرعة أكبر من السم، وقال إن النظام قتل أكثر من النصرة! كانت شوطةً ممتازة لمندوب بريطانيا على مرمى حلب. المراسل الصحافي ديمستورا وهو يبكي على الهدنة، لم ينس أن يحرض، فالعرس عرس الجعفري، وقال: نصف المقاتلين من جبهة النصرة! ينصر دينك يا أستاذ خليفة.. الجولاني كان الحاضر الغائب، واستمر الحديث الشجي عن ممرات عدائية، وتخفيض مستويات العنف، وكثافة الأنقاض التي تعيق الحركة، دعوا ديمستورا يتحرك، دعوه يمر، ويتبرع لنا بالعوازل الجنسية وناموسيات البعوض، دعوه ينكح، دعوه يدمر.

تذكر ديمستورا العيد، وتحدث عن هدنة يومين، يا له من كريم، ديمستورا: يا غصـن نقا مكللا بالذهب، أفديك من الردى بأمي وأبي. الحمد لله الذي أعاد أيام التنديد والشجب، القوية في أيام الحماسة قبل عقدين. أما عريس الطاهر وطار فتحدث عن الفبركة، ولم يشر إلى استوديوهات قطر، وبكى على شاحنات المساعدات التي قصفها الإرهابيون، واتهموا بها النظام الشرعي البريء، الذي يأكل القط عشاءه.

لم نكن نعلم أن شريف شحادة وناصر قنديل ووئام وهاب، سيصيرون مندوبين لأعضاء الدول الكبرى الأبدية. بكى العريس على الطفل عبد الله عيسى، الفلسطيني، جنسيته مهمة يا بهاوات. إسرائيل لا تذبح بهذه الطريقة. وكان يتكلم حبةً حبةً، مثل وزير الخارجية السوري بالحجم العائلي، ذاك يتكلم بالطبع وهذا بالتطبع، فالزمن طويل، وهم باقون للأبد.

أحد المندوبين، وأظنه مندوبا إلى الأبد، وصف جرائم حلب بأنها ترقى إلى جرائم الحرب، لم أعد أذكر اسمه، فلقد تشابه البقر علينا، ممثل آخر ذكر قبل أيام، لعله من امنسيتي: إنها قد ترقى. و”قد” أقل من ترقى في الدرجة. هذا تحسن ملحوظ. يا أستاذ نفيسة. العيال كبرت.

وكان قد قال: إن روسيا قد تكون شاركت في قصف المساعدات الإنسانية، إنها قدود حلبية بالنار هذه المرة أيها السادة. علمنا قبل أيام أن التحقيق في استعمال الكيماوي سيمتد تسعين يوما، النتيجة مؤجلة، والرحمة بالقاتل واجبة، والنتيجة معروفة، سيلام الطرفان، خلاص، تعادل ودي بين الفريقين، نورمال، عادي، طبيعي يا سادة.

الجعفري ذكر أربعين هجوما كيماويا على شعبه، ولا دموع للتماسيح على خده، فقد خرج مقهقهاً في اليوم التالي أمام سؤال قصف المشافي في حلب، جو يعرف المعزوفة التي يحبها الغرب، فلا أحد في الجهة الأخرى يحب الإسلام، معتدلا أو غير معتدل، الله أكبر كلمة يكرهها المتكبرون والمستعلون في الأرض.. قنبلة في آخر السطر.

قال العريس إنه واثق من استعادة كل شبر ليس الجولان منها. بثينة شعبان أهانت مذيعة أميركية، قبل أيام على الهواء! “العص” قوي، والوسائد من ريش الفيتو الذي نامت عليه إسرائيل ستين سنة بهناء. الأسد فعلا يحكم العالم، أو أنه يحظى بالدلال من حاكميه، فالسوريون أرقام مجردة في درس الحساب على نشرة أخبار. مندوب فنزويلا زاد من طرائف المجلس عندما مدح الجيش السوري، وندد “بالصليب الأحمر السوري” الذي قُصف من قبل الإرهابيين، فذكرني بآية الله الكاردينال المفتي العلماني أحمد حسون.

العريس بدا مثقفا أكثر من جويل بحلق ملكة جمال لبنان السابقة، عندما تحدثت عن الجينوم ذات مسابقة، فذكر شكسبير وجان جينيه وكافكا وجورج شحادة.. ذكر أولا مسرحية الملك لير الذي خانه الأولاد، فحنت عليه دولتان عظميان هما روسيا والصين، وأرسل له أوباما الحائز على نوبل السلام اعتذارا معطرا.

ذكر المندوب الانغماسي لسورية في الأمم المتحدة الإرهابي محمد مراح، وشمت بقتله بثلاثمائة طلقة، فهو يستحق، إنه يقول: نحن في الهوى سواء، تقتلون بإسراف ونحن نقتل مثلكم الإرهابيين بالبراميل. نحن عائلة واحدة، يا رفاق السلاح.

لا يوجد معتدلون في سورية، زنكي (نور الدين زنكي ذات نفسه) اسمه إرهابي، لأنه اسم تركي، الترك أعداء للغرب، الغرب لا يحبون الترك، الغرب لا يحب القتل بالسكاكين، قتل عبد الله عيسى جريمة لا تغتفر، وقتل حلب بالفراغية والعنقودية جريمة صغيرة فيها نظر.

ذكر أن النظام دعا للابتعاد عن مقار الجماعات المسلحة (جماعات أبي ريشة التي يجب أن تبعد عن بعضها)، واثق الخطوة يمشي رئيساً لجمهورية الأبد.. ذكر قصف مبنى الصم والبكم، وذكر ميثاق الأمم المتحدة، وذكر الشرعية ودستور سورية الذي أكله حمار غوار الطوشة (وهذا دليل عرفي وفني). واضح أن دماء السوريين، جعلت العيال كبرت. الدم السوري مغذٍ..

مصادفة، كما في مصادفات الأفلام الهندية، جاءت جهينة تقول: ورد للتو! عاجل جدا جدا! أن أحرار الشام، سيستعلمون السلاح الكيماوي المشاع في سورية مثل الماء والكلأ والنار – وقد أجدبت سورية إلا من النار – وهم يتنكرون بزي الجيش “الزوري” البطل، سمعة داعش دوليا سيئة، والنصرة كذلك دوليا أو هي بين بين عربياً، “أحرار الشام” لايزالون معتدلين، وجو يحبُّ “القفيهات” المرتجلة في المسرحية الدولية!

العريس أبو شهرزاد، تحدث عن الدولاب، وكل السنن تقول إن الدولاب يدور، جاليليو قال ذلك همساً، والمطربة طروب قالت ذلك، وجو يقول إن الدولاب لن يدور، وسنرى، أو يرى أحفاد الصم والبكم، من سيعلو: هُبْل، أَمَّنْ هو أعْلَى وأجَّل؟

تابعنا على تويتر


Top