لا شرقية ولا غربية، حلب شهيدة

سلام الكواكبي – العربي الجديد

في حوار مع الإذاعة الكندية، سألني الصحافي عن انتقاد سوريين في كندا التركيز الحاصل على مأساة حلب من جهتها الشرقية، في مقابل “الصمت” عن معاناة حلب في جهتها الغربية.

تم تجاهل مدينة حلب طويلاً من السلطة المركزية في دمشق، لاعتبارات عديدة لا يمكن إيجازها، منها “الحقد” الشخصي الناجم عن عقدٍ ذاتية لدى بعض من استلب السلطة في الدولة السورية عقوداً. كما نجم ذلك الكره، والتهميش الذي صاحبه، عن الشك في ولائها للمركز، على اعتبار أنها كانت من أهم ثلاث حواضر مدنية في الحقبة العثمانية. يُضاف إلى هذين العاملين فشل مشروع الدولة الوطنية في سورية، والذي لم يؤدِّ إلى تعزيز الانتماء الى “وطن”، بقدر ما هو انتماءٌ إلى جماعة أو قبيلة أو طائفة أو مذهب.

وقد ساهمت سنوات الجمر الأخيرة في تعميق هذه الهوّة بين مختلف مكوّنات الشعب السوري، بالاستناد إلى القاعدة الاستعمارية المعروفة “فرّق، تَسُد”، والتي تبيّن بالتجربة العربية عموماً أن المستبد المحلي طبّقها بحذافيرها والتزم بمحتوياتها كافة، أكثر بكثير مما رواه التاريخ عن ممارسة المستعمر الأجنبي لها.

عانت حلب الشهيدة إذاً من التهميش، ومن الحرمان طوال سنين. وقد تأثرت هذه الحاضرة التجارية بالوضع السياسي الإقليمي، حيث كانت مبادلاتها مع تركيا، كما شمال العراق، أساسية، ساهمت القطيعة مع بغداد صدام حسين والبرود المشوب بالتوتر مع تركيا ما قبل تورغوت أوزال، في انخفاض حجمها وقيمتها إلى أدنى مستوى. وقد أتت بعدها فترة التصالح المفروض بقوة الحشود العسكرية على الحدود سنة 1998 مع تركيا، والتي حملت، فيما حملته، من شروطٍ وواجبات، ضرورة “تقنية” لاهتمام المركز بها. كما أن تركيا التي تبعد قليلاً من الكيلومترات حافظت على علاقة اقتصادية رسمية وغير رسمية، نظامية أو تهريبية، مع الداخل السوري، طوال عقود القطيعة أو البرود عبر حلب ونواحيها. وساهمت التركيبة الاجتماعية لبعضٍ من برجوازيتها التقليدية، وليست المُحدَثة، والمرتبطة، عائلياً أحياناً، ومصالحياً في أحايين أخرى، مع تركيا ونسيجها الاجتماعي والاقتصادي، في إعادة بعض من الأمل، في سبيل استعادتها دورها الاقتصادي التاريخي على الأقل.

تتعارض سرديات الأطراف حول مسارات الوصول إلى ما تنام وتصحو حلب عليه، إن هي استطاعت، من قصفٍ وتدميرٍ منهجي وتهجيرٍ شاملٍ وقتلٍ موصوف. وعلى الرغم من مشاهد الدمار التي تتجاوز، في بشاعتها، ما يحمله المخيال الشعبي ليوم القيامة، إلا أن بعضاً من السوريين ما زال يشكّك في مأساتها وفي ملحمتها. ليسوا وحدهم من يتمتع بمثل “قلّة الحسّ” هذه، فكثيرون غيرهم من العرب وغير العرب يُشاركهم هذا التشكيك، ويمارس نفياً سوريالياً لحقائق الأرض ووقائع السماء. ولكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضةً، وأعمق جرحاً وطعنة نافذة في صميم القلب “المواطني” والانتماء “الوطني”.

وعلى الرغم من عدمية المقارنة بين مستويات الألم والمعاناة، إلا أن تكرار هذا اللحن النشاذ يكاد يجبر على التوقف عنده وسماعه ومحاولة فهمه والسعي إلى الرد عليه. آلافٌ مؤلفةٌ تموت تحت أنقاض جزءٍ مهمٍ من المدينة يُشكل عصبها الاقتصادي والتاريخي.

آلاف البراميل تتساقط فوق ساكنيها. أحقابٌ تاريخية زالت وتزول من خريطتها. مئات الآلاف من ساكنيها غادروها في تغريبة القرن الواحد والعشرين. في المقابل، تجد من يقول في “الطرف الآخر”، كما في مقالة نشرت بالفرنسية، ووقعها إلى جانب من هو مُجبر من السوريين، نوابٌ من اليمين المتطرّف الفرنسي، أن أنقذوا “حَلَبَهُم” من العطش، ومن نقص التزويد بالطاقة الكهربائية ومن قذائف الهاون (…). إدانة استهداف المدنيين، كما الاستخدامات الحربية للموارد الطبيعية ومنع السكان، أي سكان، من الحصول عليها، هو واجبٌ أخلاقي. ولكن الاكتفاء بالتوقف عند معاناةٍ جزئيةٍ، وغض النظر، وإعماء البصر عن معاناةٍ ملحميةٍ على بعد عشرات الأمتار، فيمكن اعتباره ممارسةً لا أخلاقية، وصفها يطول ويُؤلم ويُحرج. لو سعى من هم مجبرون على الحديث بهذه الطريقة لمصالح شخصية أو بسبب ضغوطٍ سياسية/ أمنية، إلى الحديث عن مأساة مدينةٍ بأكملها من دون اختزالها عبر منطقهم الأعوج إلى “منطقتهم”، ففي ذلك حيادٌ “إيجابي” يمكن نقده، ولكن لا يمكن رفضه أو إدانته.

يكتمل مشهد الألم بما انتشر من صور الرقص والاحتفال في جزءٍ من المدينة في مقابل القصف والموت في جزء آخر منها. إنها مشاهد صادمة، وتحمل شتماً صريحاً لكل قيم التضامن الإنساني. ومن السهل أن يُقال إن هذه الطقوس من مظاهر مقاومة الموت وتأكيدٌ على استمرار الحياة. كان يمكن أن يصح هذا الكلام نسبياً في ساحات حروبٍ أهلية، كما في لبنان مثلاً، أما في حلبة دماء تقع فيها الحرب على الأهالي، فإن هذا الرقص جزءٌ من تدمير أخلاقي لمستقبلٍ يريده السوريون مشتركاً. ولن تنفع كل أعذار الخطابة الجوفاء والتبريرات اللعوبة في نسيانه.

هناك مأساة الآن اسمها حلب، وما الانقسام الحاصل، إنسانياً بعد أن كان جغرافياً واقتصادياً، بين غربها وشرقها، إلا نموذج قميء لنجاح جماعةٍ حاكمةٍ صادرت حيوات السوريين منذ عقود، وسعت إلى تعميق الهوة الطبقية والاجتماعية والدينية والمناطقية فيما بينهم. ويبدو أنها نجحت.

تابعنا على تويتر


Top