البحر المتوسط الايراني

مهند الحاج علي – المدن

نشرت صحيفة ”ذي غارديان“ البريطانية تقريراً عن خط بري يصل طهران بشاطئ اللاذقية، ستُكتمل قوات موالية لطهران السيطرة عليه بعد انتهاء عملية الموصل.

ورغم أن التقرير يُشدد على الأهمية الاستراتيجية لوصول ايران براً إلى البحر المتوسط، يبقى الأثر المعنوي أكثر إقناعاً، سيما أن وجود مثل هذا الممر البري يعكس نفوذاً ستستثمره الطبقة الحاكمة في طهران في تصريحاتها للاستهلاك الداخلي. وسبق أن أعلن مسؤولون ايرانيون سيطرتهم الكاملة على العراق وسوريا ولبنان، وأحياناً يؤشرون الى نفوذهم على الأراضي الفلسطينية أيضاً. وهي تصريحات هدفها التسويق المحلي، ولا تعكس الواقع المتشابك والمعقد على الأرض في المنطقة. في العراق أكراد وتركمان وتنظيم ”داعش“ وقوى سنية وفصائل شيعية معارضة أو متمايزة. وهذا الواقع ينسحب على لبنان وسوريا بشكل متفاوت.

كما يشمل مسار الممر البري منطقتين كرديتين، في العراق وسوريا، وأيضاً مناطق مختلطة مذهبياً وعرقياً مثل محافظة ديالى، أو ذات أغلبية سنية ساحقة مثل حلب وريفها، وصولاً الى ساحل اللاذقية. إن كان هدف الممر تأمين إمدادات عسكرية للموالين لإيران، أليس الممر خطراً نتيجة تماسه مع مناطق تُسيطر عليها جماعات مناوئة لإيران؟ ولو افترضنا أن ايران تريد منفذاً على المتوسط، أليس بحر الخليج والطيران أجدى وأكثر أماناً؟

ولكن إن نظرنا الى المسألة من زاوية مختلفة، أي التواصل البري أو الجغرافي بين جيوش ايران من حدودها مع العراق إلى السواحل السورية واللبنانية على المتوسط، يصير المشهد مذهلاً وصادماً. مساحة برية شاسعة خاضعة لسيطرة أو نفوذ فصائل عراقية وأفغانية وباكستانية وحزب الله اللبناني، وجميعها بإمرة القيادة العسكرية الايرانية، وتحديداً فيلق ”القدس“ في ”الحرس الثوري“.

وهذا التواصل سياسي أيضاً. في آب (اغسطس) الماضي، نشر موقع المونيتور تقريراً عن اجتماع للحشد الشعبي العراقي وديبلوماسيين غربيين في بيروت، بغياب الإعلام. ونقل عن أحد قياديي ”الحشد“ رغبته في التحول لقوة موازية تنشط إلى جانب الجيش العراقي، ”تماماً مثل الحرس الثوري الايراني“. طبعاً، الحشد اليوم قوة موازية، لكن القصد من كلام القيادي هو مأسسة هذا الوجود رسمياً.

يتحدث بعض رواد مطار بغداد عن مشاهدة مكتب يحمل اسم ”الحشد الشعبي“، ويتولى تسهيل أمور أعضائه وقضايا لوجستية أخرى. والأنباء عن مثل هذا المكتب، تتطابق مع تقارير عن عمليات للحشد بالآليات والعناصر استهدفت إحداها مساعدات خليجية لسكان بعض المناطق المنكوبة. والعراق خزان بشري للمعارك في سوريا أيضاً، إذ تُوفر الفصائل الملتزمة بولاية الفقيه مقاتلين باستمرار لتلبية الحاجات المتزايدة على الأرض، سيما في حلب. ويتطلب هذا الدور سيطرة ما على وسائل النقل البري والجوي وربما البحري أيضاً، من أجل التدريب وتأمين الجوانب اللوجستية للقتال. صحيح أن مأسسة الميليشيات في العراق أعمق وأكثر وضوحاً وفجاجة من لبنان حيث للحزب نفوذ وهيمنة خفية وأكثر تهذيباً في المطار. لكن كيف يقدر الحزب على عقد مؤتمر للحشد الشعبي في بيروت وبحضور مسؤولين غربيين، من دون مشاركة رسمية لبنانية؟ أليس لهذا الاجتماع وغيره دلالة على مدى نفوذه؟

يبقى أن لإيران جيوشاً ”غير رسمية“ (رغم أنها قد تُدرج في البيانات الوزارية)، تصل بين طهران وبين البحر المتوسط، جغرافياً، وبينها وبين الولايات المتحدة والغرب سياسياً وحتى عسكرياً، إذ يُقاتل الحشد الشعبي في العراق بغطاء جوي أميركي.

وهذا واقع صادم قد تُساعد مقارنة تاريخية في استيعابه. في ثمانينات القرن الماضي، بلغت سياسة تصدير الثورة الايرانية أوجها مع خلايا وتفجيرات هنا وهناك، لكنها لم ترق يوماً إلى مشروع متكامل. حتى في لبنان، كان نشاط حزب الله تحت مجهر النظام السوري، يُؤدب بمجزرة كفتح الله نهاية الثمانينات والغبيري (1993)، ويخضع لحدود معينة في نشاطه السياسي والأمني.

اليوم، اختلف المشهد تماماً. عندما يأتي القادة الايرانيون إلى العراق وسوريا ولبنان، يجولون على مواقع ومراكز وجبهات، فيها جنود وكوادر وألوية وسرايا. لكن تحول دون رؤية المشهد عارياً، الغارات الأميركية والروسية وضجيج الحرب السورية.

عندما يرحل هؤلاء، في غضون سنة أو اثنتين، سنستفيق على احتلال اخترق برّنا ووصل الى سواحلنا.

تابعنا على تويتر


Top