روسيا الضعيفة

حسين عبد الحسين – المدن

تكاد روسيا تسجل حضورها في كل ملف حول العالم. في حلب، مقاتلاتها تقصف السوريين. في الأمم المتحدة سجلت اعتراضها ضد مهاجمة المرشح الجمهوري دونالد ترامب، قبل أن تنقض قراراً لفرض وقف الحرب السورية. في الانتخابات الرئاسية الاميركية، اوعزت لـ”ويكيليكس” بنشر البريد الالكتروني التابع لمدير حملة المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون لتشتيت الانتباه عن فيديو اطلق فيه ترامب تصريحات مشينة بحق النساء.

لكن موسكو لا تدرك أن مشاغبتها المتواصلة لا تجدي. في واشنطن، كشفت وكالات الاستخبارات الدور الروسي في اختراق الحسابات الاميركية. القدرة الاميركية في السيطرة على الانترنت تفوق نظيرتها الروسية، والاستخبارات الاميركية سبق أن زرعت برامج في الشبكة الروسية تكشف المشاغبة الروسية، على الرغم من اعتقاد الروس انهم يقومون باختراقاتهم سراً.

في نشر “ويكيليكس” للبريد الالكتروني التابع لجون بودستا مدير حملة كلينتون، يبدو جلياً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصاحب “ويكيليكس” جوليان اسانج لا يفهمان العقلية الاميركية، وإلا لأدركا أن العبارة التي اعتقدا انها ستؤذي كلينتون، في قولها إنها بعيدة عن الطبقة الوسطى، لا تؤثر في رأي الناخب الاميركي. لم يلاحظ بوتين واسانج ان آخر مرشحين للحزب الجمهوري، ميت رومني ودونالد ترامب، هما من اصحاب الثروات الطائلة، وهو ما لا يمانعه الاميركيون.

كما لا يبدو أن “ويكيليكس” تتابع المشهد الاميركي، لأنها لو تابعته لأدركت ان قول كلينتون إن تعقّب زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن جرى عبر مخابرة هاتفية، ليس سراً كشفته كلينتون، بل هو معلومة عامة متوفرة حتى في أفلام هوليوود التي تصور عملية قتل بن لادن.

وفي الأمم المتحدة، يبدو ان موسكو اخطأت في تقدير مدى نفوذها في مجلس الأمن، إذ لم يصوت على مشروعها سوى الصين وفنزويلا ومصر، والصين كانت وعدت فرنسا وبريطانيا بعدم نقض القرار الغربي مع موسكو، وهو ما حصل، فبدت ديبلوماسية موسكو بقيادة بوتين شبه عارية، واضطرت لاستخدام الفيتو لوقف القرار الغربي.

على أن كل مكامن الضعف الروسي هذه لا تظهر في سوريا، حيث تبدو موسكو صاحبة الكلمة الاخيرة، وتحذر الاميركيين من مغبة تلويحهم بالخيار العسكري، وتعلن تعزيز منظومة الدفاع الصاروخية التي نشرتها في سورية سابقاً “اس-400″، بمنظومة أضعف منها “اس-300″، وهي خطوة اثارت سخرية الخبراء العسكريين، فيما أعلنت اسرائيل قلقها علنا. ولو كانت روسيا اقفلت السماء السورية بمنظومة “اس-400” حسبما أعلنت قبل أشهر، لكانت خطوة نشر “اس-300” لم تثر الاسرائيليين.

بيد أن الاميركيين يعلمون أن كلا المنظومتين الصاروخيتين لا تعملان في سوريا، وأن كل تصريحات المسؤولين الروس هي من باب استعراض فارغ للقوة، لعلم موسكو ان واشنطن بقيادة الرئيس باراك أوباما لن تتدخل عسكرياً غرب الفرات، ولعلم موسكو ان أوباما ينوي مواجهة الروس بتسريباته الاعلامية لا غير.

ربما يعلم بوتين أيضاً أن أوباما قارب الخروج من الحكم، وأن الاستياء الاميركي من استفزازته بلغ أقصاه. حتى المرشح لمنصب نائب رئيس عن الجمهوريين مايك بنس خالف رئيسه ترامب، وقال إن الوسيلة الوحيدة للتعامل مع موسكو هي “القوة”.

أما خيارات الولايات المتحدة في زعزعة الروس فكثيرة، وتتضمن اختراق حسابات روسية، بما فيها حسابات بوتين ومناصريه المالية، ونشرها حتى يتفرج العالم على فساده وثروته. كذلك يعتقد الاميركيون أن بامكانهم فرض عقوبات مالية قاسية تؤذي نظام بوتين وتمنع المقربين منه من استخدام ارصدتهم في بريطانيا والاستمتاع باجازاتهم في اوروبا الغربية وأميركا.

وفي سوريا، يعتقد الاميركيون أن بإمكانهم القضاء على سلاح الجو للرئيس السوري بشار الأسد في ساعات، ونشر بطاريات صواريخ تجبر المقاتلات الروسية على وقف غاراتها ضد مناطق المعارضة.

في الماضي، حاولت الصين اختراق حسابات اميركية لسرقة اسرار صناعية. واجه الاميركيون الصينيين، وهددوا بعقوبات مالية على المسؤولين وهجمات الكترونية مضادة. ادرك الصينيون فداحة الموقف وتراجعوا واوقفوا تحرشهم الالكتروني بأميركا.

الاميركيون يشكّون اليوم أن بوتين سيدرك، كالصينيين، مدى إمكاناتهم. ربما يعرف بوتين أن أمامه مهلة حتى خروج أوباما من الحكم، فبوتين لم يكن على هذه العنجهية في الماضي القريب، لكن ارتباك أوباما وتردده في سياسته الخارجية هو الذي دفع بوتين الى مغامراته الالكترونية ضد اميركا والعسكرية ضد السوريين، او على قول المثل المشرقي الشائع “يا فرعون من فرعنك، قال لم اجد من يردّني”.

تابعنا على تويتر


Top