“نظام انتقالي” في كل مكان

سمير عطا الله – النهار

في الذاكرة الصحافية لم يكن العالم في أي يوم من الأيام بمثل التعقيد الذي هو عليه اليوم. كل شيء تقريباً على الحافة. رئيس أميركا يوضّب حقيبة الرحيل، فيما أميركا نفسها حائرة تماماً حول سياسات الخَلَف. ويترك أوباما خلفه دولة في أشد ضعفها العسكري، غير أنها لا تزال تتقدم العالم اجمع “بالقوة الناعمة”: الدولار المُهيّمن والتكنولوجيا المتفوقة والعلوم التي تجاوزت الخيال البشري في احيان كثيرة. وفي المقابل، يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيساً إلى الأبد، مرة كرئيس للدولة، ومرة كرئيس للوزراء، وفي الحالتين، بأكثرية شعبية مريحة. فقد أثبت الروس أنهم يُفضّلون حاكماً مقاتلاً، أو عسكرياً. إذ يوم أحرق غروزني بعد فشل الحملة الأولى على الشيشان. واقدام بوتين على ترميد غروزني، فكّر بوريس يلتسين باعفائه من صلاحياته، لكنه ما لبث أن اكتشف أن الاكثرية الروسية تسير خلف العقيد العنيف. وكان سر بوتين ما اعلنه في مقابلة مع صحيفة “فيرْميا”، إذ قال ببساطة إنه احرق غروزني من الجو لكي يوفّر خسائر الجنود الروس على الأرض. ولعل هذا ما يجري اليوم في شرق حلب، حيث لا نرى بالعين المجردة على الأرض سوى الركام والجثث الملويَّة تحته، لكن العالم أجمع يسمع صوت ازيز المقاتلات الروسية في الأجواء.

الفارق في المواجهة بين أوباما خلال ولايته الثانية، وبوتين في ولايته الدائمة، أن الأول رجل يريد إخراج أميركا من الحروب التي ولد وهو يراها فيها. أما الثاني فهو عسكري تدرَّب على أن حلول الدنيا حربية دائماً. في الداخل أو في الخارج. وهكذا، جاء إلى رئاسة الوزراء من طريق الحرب الداخلية، ثم ما لبث أن خاض حروب الخارج في جورجيا وأوكرانيا، وضمّ القرم، إلى أن خاض المواجهة الكبرى على الجبهة السورية.

خاضها من دون الخطوط الحمر التي رسمها أوباما. للسلوى، تحدّى أوروبا عسكرياً وسياسياً في قلب القارة، وتجاوز الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مرة بفتح علاقة خاصة مع اسرائيل، ومرة بمدّ الجبهة السورية حتى حدود تركيا، ودائماً بالمشاركة مع ايران، عدوة أميركا الأولى، لكنه لسبب غير معروف حتى الآن، ترك للولايات المتحدة فقط شركة الحرب والسلام مع ايران، على طول الجبهة العراقية من الانبار إلى الموصل الوشيكة، وتعمّد مُداراة الأتراك في حروبهم الكردية ما بين سوريا والعراق. وهكذا فعل الاميركيون أيضاً ضمن هذه الأحجية الواسعة، إذ كانوا مع الأكراد وضدّهم حيثما دَعَت الحاجتان. يميل البعض إلى تشبيه الازمة الحالية بأزمة الصواريخ الكوبية أوائل الستينات، وخصوصاً بعد ما حركت روسيا صواريخ نووية قرب الحدود مع بولونيا. لكن عناصر الأزمة مختلفة على رغم حدّتها. فالحدود مع بولونيا ليست كوبا، المواجهة للساحل الاميركي. وسوريا ليست تلك النقطة الحيوية، استراتيجياً أو عسكرياً، بالنسبة ألى الاميركيين. وربما علينا أن نتذكر هنا ما قاله الوزير غسان سلامة لمارسيل غانم في “كلام الناس” بدايات المحنة السورية عندما أكّد ان الوضع في سوريا يأتي في المرتبة الخامسة من الأهميات بالنسبة إلى واشنطن. وكنتُ بين كثيرين استفظعوا الطريقة التي اكّد بها العالِم السياسي الجدّي، تلك المسألة. غير أننا تأكدنا عاماً بعد آخر، من انه كان يتحدث من مُنطلق العارف بحقائق السياسات الدولية وأولوياتها ومحدودياتها أيضاً.

لقد ظلت ادارة أوباما على الحافة في كل التحديات التي جمعتها مرة بروسيا ومرة بايران. ففي روسيا، اختار الابتعاد، وفي ايران اختار الاقتراب. وفي الحالتين، أغضب بوضوح حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في السعودية والخليج ومصر، ناهيك بالشركاء الاوروبيين مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا. وقد شعر بعض السوفيات السابقين وحلفاء أميركا الجدد، مثل بولونيا ودول البلطيق، بالخوف من أن يطاول بوتين باندفاعاته العسكرية، تلك الدول والمجتمعات التي زُرعت فيها اقليات عرقية روسية منذ أيام القياصرة وإلى ما بعد أيام البلاشفة. ولم يحاول الكرملين أن يطمئن أحداً، بل ترك الخائفين عند مخاوفهم. وتحدث إلى ضيوفه العرب بلغة غامضة وفضفاضة تُقرّبه منهم من غير أن تُبعده أُنملة واحدة عن خصومهم أو عن مخاوفهم.

ما بين انكفاء أوباما وغموض بوتين، تحولت خريطة العالم في جميع مواقعه الاستراتيجية إلى نقاط من القلق والارتجاج. ويُخيّل إليّ أن الذين يشبّهون المرحلة الحالية بعودة الحرب الباردة، لا يلحظون أن الحرب الباردة التي افقنا جميعاً عليها، كانت، على نحوٍ ما، واضحة التقسيمات والمعسكرات: الغرب والشرق! لكن الانهيار السوفياتي غيّر تلك الخريطة إلى قطب واحد، وهو ما يبدو أن بوتين يحاول أن يُصححه اليوم. الشيء الآخر ان الصراع الايديولوجي الذي كان قائماً بين الرأسمالية والشيوعية، تحوّل الآن إلى صراع ايديولوجي بين الاسلام المتشدد من جهة، والمعسكر العلماني شرقاً وغرباً من جهة أخرى، كما تحول إلى صراع اسلامي – اسلامي بين السنة والشيعة، من غير أن يحمل ذلك الأسم علناً. وإذ يحصن الاتحاد الروسي نفسه خلف حدود آمنة، كما كانت أيام الاتحاد السوفياتي، فإن ثمة عنصراً جوهرياً آخر يعبث بالخريطة العالمية اليوم، هو قضية المهاجرين التي تحولت إلى مسألة امنية واجتماعية ومادية داخل المعسكر الغربي، وصولاً حتى بعض اوروبا الشرقية السابقة. وقد أحدثت قضية اللاجئين انقساماً عميقاً بين الاحزاب والقوى الاوروبية، كما حصل في المجر أخيراً، على رغم محاولة الحكومات في سائر البلدان، التستر على مدى حجم الشرخ الاجتماعي. ويحسن في هذه المناسبة العودة إلى مقال الدكتورة منى فيّاض في “قضايا النهار” (1).

لعل أدق الاوصاف للمرحلة الرمادية التي يمر بها عالمنا، أو بالأحرى كوكبنا برمَّته، هو قول رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومينيك دو فيلبان: “اننا نعيش في نظام عالمي انتقالي جديد، وضبابي الخريطة”. في هذا “النظام الانتقالي” نرى على سبيل المثال، أن التحديّات المهينة للولايات المتحدة، لا تأتي كما في السابق من الدول الكبرى، ولكن من دول فرعية مثل كوريا الشمالية، التي تملأ البحر بالصواريخ كما مَلأ عمرو بن كلثوم بحره “سفيناً” وهو قابع في الصحراء على مسافة آلاف الأميال من المياه، مالحة أو صالحة. وتأتيها ايضاً من المثال الفنزولي الشافيزي الذي اتخذ دور كوبا في المعاكسة، فيما يستعد الأخوان كاسترو في هافانا، للتسليم الحزين بأمر العمر والشيخوختين: شيخوخة الفيديليتو، وشيخوخة النظام الحالم الذي لا يزال يسير منذ ستين عاماً بستين ألف سيارة أميركية قديمة، هي أجمل ما يتحرك في شوارع هافانا التي تتعرض لغزوٍ سياحي هائل، بدل غزو “خليج الخنازير” الفاشل، الذي شنّه جون ف. كينيدي عليها.

إلى أي نوع من النظام الدولي سوف نخرج من هذا النظام الانتقالي؟ اعتاد العالم أن يعيش على التناقضات والانقسامات. وما سماه دو فيلبان، تفوق القوة الاميركية الناعمة، لا يمكن أن يستمر من دون سند عسكري. وهذا ما تسعى إليه الصين بكل وضوح على رغم النجاح الاقتصادي العجائبي الذي حقّقته خلال أربعين عاماً من الانفتاح المحيّر. فهي في قلب المجتمع الرأسمالي، ولكن بنظام شيوعي صارم. وهي تستضيف قمة العشرين الصناعية، لكنها لا تزال تفرض الرقابة على الصحف والحياة العامة. وفي رأي المسيو دو فيلبان، أن العالم الأكثر عافية، هو عالم القانون، ولا بديل آخر. الدول التي تستطيع أن تستثمر فيها اموالك وأنت مطمئن إلى سلامتها. والدول التي تستطيع أن تزورها وأنت مطمئن إلى سلامتك. والدول التي يزدهر فيها، ليس فقط الاقتصاد، بل ايضاً العلوم والافكار والاختراعات والتجدد في قهر العذاب الجسدي في السعي نحو الرزق، بحيث تُلغى الآلة المستحدثة الكثير من تصبب العرق وألم الأجسام.

ينقلنا الحديث عن دولة القانون فوراً إلى التفكير في مستقبل هذه المنطقة الآيلة، بكل وضوح، إلى المزيد من شرائع الغاب. فالأرض هنا إما لا تزال مسطحة، وإما تدور في جميع الاتجاهات المعاكسة. لفتني قبل ايام احتفال مصر بمرور 150 عاماً على اول مجلس نيابي. هل من الضروري أن نتذكر اسماء رجال السياسة قبل مئة عام؟

نحن عشنا في زمن الاحلام. وكانت الوحدة ابسطها واقربها. حتى الهزة التي اغرقت مصر وسوريا والأردن قبل 50 عاماً على وجه الضبط، لم تزعزع الحلم العربي. إليك خريطة العالم وخريطتنا اليوم: العرب جميعاً في حاجة إلى أونروا. ونحن الخصام وفينا الخصم والحكم. وجميعنا جاهليون نكتب ونحكي مثل عمرو بن كلثوم.

من على هذه الخريطة المبعثرة زال شيء كان يسمى، للاختصار، “خصوصية” لبنان. وتقديراً لتلك الخصوصية، ارتضى، أو قرر، جمال عبد الناصر أن يلتقي فؤاد شهاب في خيمة مشتركة على الحدود مع “الجمهورية العربية المتحدة”. تلك “الخصوصية” كانت حمايته وسيادته ومبرره كحاضنة تعددية، على رغم متغيرات حجمه.

وئدت “الخصوصية” عندما انهارت القدرة الوطنية حتى على التلاقي الصوري تحت سقف البرلمان من أجل انتخاب الرئيس. فاز سليمان فرنجية العام 1970 باكثرية صوت واحد. واليوم، مرشح أوحد لا يقبل إلا جميع الأصوات، برفع الايدي.

تابعنا على تويتر


Top