المشكلة ليست في الاندماج

محمد جغيف

يعاني مجتمعنا العربي المعاصر من عدم امتلاك شخصية ثابتة وهدف استراتيجي وعدم امتلاك مراكز دراسات توجهه، وخاصة على مستوى الثقافة واللغة العربية لغة القرآن الكريم، إذ لا يوجد أي جهد يذكر لنشرهما وإن وجد فسمته الخجل، وهنا تكمن الخطورة على المجتمع السوري اللاجئ، وليس فيما يطرح من قرارات تخص الاندماج في بلدان اللجوء.

الأمثلة كثيرة على شعوب هاجرت وحافظت على شخصيتها وثقافتها، فإذا ما أخذنا الأتراك في ألمانيا نموذجًا على سبيل المثال، نجد أن الحكومة الألمانية في كل أزمة تقع بين البلدين تضطر لطلب التزام الحياد من قبل أتراكها، وبرغم من أنّ الكثير منهم يعرف الألمانية إلا أنه يصعب ملاحظة ذلك عليهم، فهم لا يستخدمونها ولا يحاولون أن يظهروا أنفسهم أنهم يعرفونها.

كما أن الدول المتقدمة التي تملك المراكز المختصة تضع الخطط لنشر لغتها وثقافتها وهذا ما حُرِمناه في عالمنا العربي مع الآسف.

يشكل اللاجئون السوريون في تركيا أكبر نسبة من مجموع عدد اللاجئين السوريين في كافة بلدان اللجوء، ويتركز ثقلهم في المحافظات الجنوبية كأورفا وكلّس وعنتاب وأنطاكية، وسمحت لهم الحكومة التركية منذ البداية بفتح مدارسهم الخاصة وتساهلت معهم وأمنت دخول طلاب تلك المدارس لجامعاتها بكافة فروعها.


لكن الحال بدأ يتغير إذ قررت الحكومة التركية دمج الطلبة السوريين في المدارس التركية في بعض المحافظات، لعدة أسباب من أهمها تدني المستوى التعليمي في المدارس السورية من وجهة نظرها، وعدم الاعتراف بشهادات تلك المدارس، وفقدان القدرة على تقييم مستواها في ظل وجود عامل اللغة المختلفة، والمساعدة على دمج الطلاب في المجتمع التركي.

وتنوعت ردات الفعل السورية على هذه القرارات وكانت سلبية في غالبيتها، حيث رأى السوريون في الخطوة خطرًا يهدّد شخصيتهم وثقافتهم، التي لا يملكون منها إلا أن القدر جعلهم عربًا، فلا ثبات في الشخصية ولا في مضمونها ولا يوجد تمسك حقيقي باللغة العربية التي أصبحنا أكثر الناس جهلًا بها، ومعظمنا لو حصل على فرصة مناسبة لنسي لبّ القضية وتنازل عما قام به من ردة فعل.

كان من الممكن أن ننظر من طرف آخر للموضوع لو امتلكنا الثبات والشخصية والهدف المذكورين، أو امتلكنا رؤية استراتيجية في عالمنا العربي الذي كان أول من تخلى عنا وتآمر علينا، فلو امتلكنا شخصية ثابتة وانتماء للهوية وسعيًا حقيقيًا لنشر الثقافة واللغة العربية لكان الاندماج فرصة، ولا سيما إن ارتبط السعي للنشر باهداف سامية، ففي أوج قوة الامبراطورية الفارسية كانت لغة الدولة هي الفارسية ولغة الثقافة الآرامية، وفي أوج قوة الدولة العثمانية كانت لغة الثقافة العربية بل إن من أولى نتائج معركة جالديران هي بقاء العراق عربيًا، وذلك بانتصار العثمانيين الذين كانوا يتبنون المذهب السني والثقافة العربية آنذاك على الصفويين الذين كانوا يتبنون المذهب الشيعي والثقافة الفارسية مع أنهم قبائل تركية.

مهمة نشر اللغة العربية أسهل بالنسبة لنا بحكم أهميتها بالنسبة للأتراك كونها لغة دينهم، وتكمن الصعوبة فقط في نشر الثقافة العربية حيث تتأثر بالواقع المخزي للعالم العربي، فإن كنتَ ضعيفًا لا تستطيع أن تفرض ثقافتك على الآخر.

وعليه كان يمكن أن يكون للاندماج إيجابيات أكثر من السلبيات التي فكرنا بها، فيمكن أن ينشأ لدينا مجتمع جديد وفريد يأخذ ما تحتوي عليه الثقافة التركية من إيجابيات ويحافظ على شخصيته العربية ولغتها ويكون ناشرًا لهما وسفير للثقافة العربية بشكل عام، ولا سيما في بلد تربطنا به قواسم مشتركة دينية وتاريخية وجغرافية…، كما يمكن أن يكون صلة وصل بين العالمين العربي والتركي وعامل ربط بينهما لما فيه خير الأمة التي يجب أن نفكر بها، عدا أنهم يمكن أن يقودوا حركة الترجمة المستقبلية بين الثقافتين والتي تنتظر من يفعلها، بالإضافة للامتيازات التجارية والاقتصادية التي يمكن أن يتمتعوا بها بين العالمين العربي والتركي إذا ما قصدوا هذه المجالات.

هذا كله ممكن لو امتلكنا ما ذكرناه من شخصية وهدف ومراكز استراتيجية لتوجيه مجتمعاتنا، وفي غيابها يمكن أن يشكل الاندماج بالفعل خطرًا حقيقيًا سببه منا وفينا، فنحن بلا دف نرقص.

تابعنا على تويتر


Top