في ميدان الجيوش العربية، جرائم بحق الإنسانية

معتز مراد
كنّا دائمًا نقول أن الحالة السورية مختلفة، وأن ما يحدث في سوريا هو استثناء ولن يتكرر في أي دولة عربية أو بلدٍ يطمح شعبه للتغيير. وكنّا نقول أن الجيش الذي بناه حافظ الأسد على أسس طائفية هو سبب تلك الحالة الهمجية من القتل المستمر الذي لم يتوقف خلال عامين ونصف. وفعلًا شاهدنا القتل والتنكيل مكللًا بلهجة ساحلية، مما شكل قناعة عند غالب الشعب السوري أن «الطائفة  العلوية» هي الحاضن الشعبي للنظام، وهي المولدة للشبيحة وفرق الموت التي تطوف لتقتل وتذبح في سوريا، من شمالها إلى جنوبها.
وعندما بدأت الاحتجاجات ضد نظام مرسي في مصر، وبعدها حدث الانقلاب العسكري في مسعى لاحتواء الموقف كما صرح الانقلابيون. بعدها بدأنا نرى سلوكيات صادرة عن الأخيرين «سياسيين وعسكريين»، تتعارض تمامًا مع أية مبادئ أو أخلاق. حيث تم سجن الرئيس مرسي تحت ذرائع «واهية ومضحكة» كالتخابر مع حماس. وكذلك تم سجن رئيس مجلس الشورى سعد الكتاتني وبعض القادة البارزين في جماعة الإخوان المسلمين بحجة التحريض على الإرهاب. كما تم إغلاق الكثير من محطات التلفزة والمراكز التابعة للجماعة.
وعندما بدأ الجيش المصري يهدد بفض الاعتصامات في الميادين، وفيها عشرات الآلاف من المصريين. كنّا نراهن على وطنية هذا الجيش «باني مصر الحديثة» في أنه لن ينجر أبدًا إلى حالة صدام دموية مع المعتصمين، فهو جيش وطني بامتياز يمثل مصالح الشعب المصري، ولم يحصل في تاريخيه أن اصطدم مع شعبه.

ولكن للأسف حدث مالم يكن في حسبان الناس، وكانت النتيجة «أكثر من صادمة» للجميع. فلم يُقتل مائة أو مائتي معتصم، ولكن تحت مرأى من عدسات الإعلام، صرّحت مصادر المعارضة المصرية أنه تم قتل أكثر من 2600 مواطن مصري وجُرح الآلاف. في مشهدٍ كان غايةً في الحزن.
إذًا استطاع الجيش المصري أن يقتل شعبه، ودافع عن فعلته تلك أمام الناس وعلى قنوات الإعلام. مع أنه لم يُبنَ على أساس طائفي كجيش حافظ الأسد. ولكن الظاهر أن لكلّ جيش «في بلادنا» شبيحته وبلطجيته الجاهزون لممارسة أعمال القتل بحق شعبٍ طالما تغنّوا بالدفاع عنه وعن أرضه. وفرق الموت هذه قد تمّ تربيتها وتجهيزها على مدارِ عقودٍ من الزمن، لتدافع «في اللحظة المناسبة» عن أسيادها ومُلّاك أمرها.
ليست الحالة مقتصرة على الجيشين في سوريا ومصر، بل هي ممتدة إلى الجزائر والعراق والسودان وباقي الدول العربية، ولكن كان الرهان على حيادية الجيش المصري رهانًا كبيرًا. وكان يُنظر له دائمًا أنه جيش وطني له مهمة أساسية هي الذود عن أرضه ضد المعتدين الخارجيين.
ربما سوف نبقى نشاهد هذا المشهد لفترة طويلة، إلى أن نتمكن من بناء شعوب «وبالتالي جيوش» تعتبر استعمال السلاح ضدها شيئًا من المحرمات. وأنه لا توجد مبررات توجب استعماله ضد شعبٍ أعزل. ربما علينا فعلًا بناء جيل شعبي يقدّم دائمًا مصلحة أمته ودولته على مصالحه الشخصية. فلا مصلحة شخصية أو حزبية تبرر قتل معارضين أو مدنيين.
ليست الطائفية ما جعلت الجيش النظامي في سوريا يستمر في القتل حتى هذه اللحظة، بل الطائفية هي أحد المبررات التي استخدمها هذا النظام ليقتل ويستمر في القتل. وليس الإسلام السياسي أو الإرهاب هو ما يجعل الجيش المصري يقتل المصريين اليوم بالجملة، بل هي مصالح فئة معينة سياسية وعسكرية .
وإلى أن نبني «ثقافة مصلحة حقيقة» تكون في صالح الشعوب لا ضدها، في صالح الناس جميعًا لا في صالح طغمة حاكمة أو شلّة سياسية معينة، حتى نصل إلى تلك اللحظة، فإننا سوف نبقى نشاهد هذه الجرائم الاستثنائية التي تحصل في بلادنا.
أخيرًا؛ يحضرني مثال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي عندما استقال من منصبه في اللحظة التي وجد فيها أن سيلًا من الدم قد يتسبب به بقاؤه في السطلة.

تابعنا على تويتر


Top