الأم، التربية، الثورة.. وأشياء أخرى

-بلدي-العدد-الرابع-عشر-الأحد-6-أيار-2012.pdf-Page-9-image-1.jpg

جريدة عنب بلدي – العد14 – الأحد – 6-5-2012

كتب أستاذنا الكريم عبد الكريم بكّار مقالًا نشره في موقعه على الانترنت، بعنوان «أمّ» قال فيه «كل الأمهات عظيمات، لكن العظمة درجات. تبدأ العظمة حين تنسى الأم كل تعبها وإجهادها في سبيل راحة أسرتها، وحين تدمج كل أمنياتها في بعض أمنياتهم .»

ثم يسوق على ذلك مثالًا مما يعرفه، وهي قصة أمّ تترمل في الخامسة والعشرين فترفض الخاطبين «لحرصها على التفرغ لتربية ابنها» وتعمل بالخياطة لتصرف عليه حتى يكمل دراسته ويتخرج ثم تتوفى الام قبل أن يستلم ابنها معاشه اﻷول.

وأحببت أن أرد على ما جاء من أفكار مضمنة ومعلنة:

نعاني في مجتمعنا السوري (ولربما العربي) من انحسار اهتمام اﻷب والأم في نطاق أبنائهم وأبنائهم فقط في الأعم الأغلب، فالأب همه الوحيد أن يعمل كي يؤمّن لأبنائه كل ما يحتاجونه في عالم متزايد الحاجات، وهو يسعى جاهدًا لتحسين عمله للتوسع بالنفقة عليهم، ولا ترى له نشاطا جانبيًا في خدمة المجتمع، أو في الدفاع عن قضية كبرى (تتجاوز الزمان والمكان)، ولا يحمل همًا عامًا ثقافيًا أو دينيًا أو علميًا أو غير ذلك، وليس له اهتمام في ترك بصمة في مجال كبر أو صغر.

وهذا في الأم أوضح، فهي كما قال الدكتور بكار مادحًا (واسوق كلامه من باب النقد) فهي «تدمج كل أمنياتها في بعض أمنياتهم» فليس عندها في هذه الحياة الدنيا أملًا تحققه سواهم، ولا فنًّا تبدعه، ولا ديوانًا تنشره، ولا قضية انسانية تشغلها ..

فماذا خلّفت هذه الوضعية ؟

– أصبح الأبناء بذلك هم اﻷمل الوحيد، فلا يتوقع منهم الفشل ولا يقبل بحالٍ من الاحول (وهل يسهل على الانسان فشل أمله الوحيد)، وهذا يفسّر (مع عوامل اخرى) ان الفشل في مجتمعنا عيب كبير ومحرم أسري، لذا تجد الأسر دومًا تضمر فشل الابناء دراسيًا (تدني المستوى).

هذا الصيت السيء للفشل يحجّم الطموحات ويحد من الإمكانات، وينكص ابن هذه البيئة عن الإقدام والمحاولة خوفًا من الفشل، الذي عندما يقع يكون مثبطًا للهمة لا درسًا في الحياة.

– وعلى اعتبار أن الأبناء هم الأمل الوحيد، فيجب أن يفصّلوا عل مقاس الأهل، فإذا كانت رغبة الأهل في طبيب فعلى الابن تلبية الرغبة وإلا فهو عاق، وان كانت رغبتهم في مهندس فالويل إن فكّر الابن بالتاريخ أو الأدب، وعند الزواج يقع الأمر ذاته، فالأهل لا يقبلون أن لا يحقق أملهم الوحيد مايرغبون به أو يخالفوا ذوقه على أقل تقدير.

– هذه الوضعية ايضًا تنمّي الحب التملكي، الذي يصبح فيه الأبناء ملكًا للأب والأم، ويتحول البرّ في هذا العرف الى مرادف للطاعة، لا للخدمة، ويصبح العقوق هو المعارضة لا الإهمال.

فالقرآن الكريم عندما وجه خطابه للأبناء قال لهم: ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما، ولم يقل: ولا تقل لهما ‹لا› ولا تخالفهما!!

فالبر كما هو معروف في اللغة هو الخدمة والرعاية لا الطاعة.

– وهذا الحب التملكي، ووضعية «الأمل الوحيد» تفسّر لنا أيضًا موقف الآباء والأمهات من خروج أبنائهم الى التظاهر.

فالتظاهر في سورية هو رحلة الموت أو الاعتقال أو الاصابة، أنا أفهم بالتأكيد المشاعر الطبيعية في الخوف على الأبناء، لكنني أتحدث عن شيءٍ آخر، أتحدث عن الخوف من أن يفقد الأب أمله الوحيد، والخوف من أن يضيع عند الام أمنيتها الوحيدة. هذا يخلّف معارضة أشد، وكلنا سمعنا بحالات كثيرة.

فما الحل ؟

– علينا أولًا أن نتوقف عن مديح هذا النوع من التضحية غير الصحيّة التي يدفع ثمنها لا الأبناء وحدهم بل مجتمع بأكمله.

– أن يدفع الأبناء آبائهم (خفية!) إلى نوع من النشاط العام والاهتمام الكبير الذي يبذل فيه المرء جهدًا ويعلق عليه أملًا، وهذا سيسهم في تلطيف النسق السابق وإن كان لن يلغي أثره.

– لقد دفعتنا الثورة (نحن جيل الشباب) إلى الاهتمام بقضايا كبيرة بحجم البلد، كالحرية والعدالة والديمقراطية ..الخ فعلينا أن ننمي ذلك بعد سقوط النظام وأن يجد كل واحد منّا مجالات في نشاطه وتأثيره.

– أن نشجع الشابات على ما يبدين من اهتمامات متنوعة، وأن نعتبر ذلك ظاهرة صحية، وليس قناعة «ربة منزل»، وهذا لا يقتضي بالضرورة العمل خارج المنزل، نتحدث هنا عن الاهتمام والنشاط في مجالات عدة، فالسيدة خديجة كانت تاجرة، والسيدة عائشة كانت عالمة ولها مجالس علم وهكذا ..

الأمر خطير ولايجب أن يمرر دون نقاش.

تابعنا على تويتر


Top