الطفل السوري ضحيةٌ لجميع الحروب

فادي القاضي

تقدر منظمة اليونيسيف المعنية بحماية الطفولة والتابعة للأمم المتحدة، أن 6 ملايين طفل سوري هم بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة داخل الأراضي السورية وحدها. وبحسب الاتفاقية الخاصة بحماية حقوق الطفل، فإن الأطفال هم أولئك الذين هم دون سن 18 أو لم يبلغوها بعد.

وبالإضافة إلى التحديات العاجلة والمتمثلة في توفير الغذاء والدواء وسبل النمو الصحي السليم وعلاج الأمراض وعلى الأخص تلك المتفشية، للأطفال السوريين على الأراضي السورية وخارجها في بلدان اللجوء المجاورة مثل الأردن وتركيا ولبنان والعراق، هناك طائفةٌ واسعةٌ من التحديات التي ليس من السهل التصدي لها وليست في الوقت ذاته مسائل تحتمل التأجيل.

ومن نافل القول إن الأطفال في سوريا، أصبحوا عرضةً للقتل، مثلهم مثل المدنيين البالغين، جراء الهجمات غير التمييزية (أو التي تقصد استهداف المدنيين عمدًا) التي تشنها القوات الحكومية في أرجاء سوريا، وبدرجة أقل الهجمات التي تشنها مجموعات المعارضة المسلحة.

ويتصدر التعليم قائمة التحديات الأخرى التي تواجه مسيرة الطفل السوري في أتون النزاع الممتد. وبالنسبة لفرص التعليم على الأراضي السورية، وفي المناطق غير الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق، فإن كارثةً لحقت بكافة مؤسسات التعليم، ليس أقلها استمرار تعرض المدارس للقصف من جانب القوات الحكومية السورية مُعززةً بدعم روسي. وقالت منظمة إنقاذ الطفولة (سيف ذا شيلدرن) في أيلول من العام 2015، إن أكثر من نصف الهجمات التي استهدفت مدارس في العالم أجمع في الفترة بين 2005 إلى 2015، قد وقعت في سوريا وحدها.

وبمعزل عن فرص التعليم (غير الرسمي) الذي تحاول المنظمات الإغاثية المحلية والدولية توفيره، والمستند إلى توفير أساسيات التعليم وفق منهج إنساني، فمن غير المستبعد أن تكون المؤسسات التعليمية الباقية، في المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق، قد تم السيطرة عليها أو على إدارتها، من قبل الفصائل المسلحة، ومما يضعها (والأطفال الدراسين فيها) عُرضةً لتلقي تعليم لا يفي بمتطلبات النمو والتطور، في الدرجة الأولى، أو آخر يقوم على نهج أيديولوجي أحادي لا يُقيم اعتبارًا لاحتياجات الطفل، ويعطي الوزن الأساسي للتغذية الأيديولوجية، أيًا كانت.

وبسبب حركة النزوح الداخلية والخارجية الهائلة التي شهدتها سنوات الحرب الخمس الأخيرة أصبحت “الأسرة” وهي الحاضن الطبيعي لنماء الطفل ومصدر العناية الرئيسي له، عرضةً للضياع والتفكك، وإن لم يكن السبب في ذلك هو مقتل موفري الرعاية الأساسيين، مثل الأم والأب، فقد يكون أحد الأسباب هو افتراق الأطفال عنهم. وأحد أمثلة النتائج عن ذلك يتمثل في ارتفاع نسب تشغيل الأطفال طلبًا لرزق أصبح عسير المنال في دول الجوار أو حتى على الأراضي السورية.

والأطفال بحكم طبيعتهم الأزلية، كائناتٌ هشةٌ عُرضة للاستغلال. ويُشكل التحدي الأكبر هنا هو توفير الحماية للأطفال من التشغيل القسري، والاسترقاق، والاستغلال الجنسي وغيرها من ضروب الاستغلال، أكبر التحديات التي تواجه جميع العاملين على إنقاذ الطفولة في سوريا. وفي غياب إطار حماية قائم على إنفاذ القانون، فمن الصعب جدًا استبعاد أن يكون الطفل السوري قابلًا بدرجات كبرى للتعرض لمخاطر الاستغلال المذكورة هنا، أو غيرها.

لكن إحدى المسائل الإشكالية الراهنة تكمن في التجنيد القسري للأطفال في صفوف القوات المتحاربة في سياق النزاع في سوريا، وهي مسألةٌ بات في حكم المؤكد أن جميع أطراف النزاع أصبحت متورطةً بها. ولا يجوز التذرع بوجود حاضن شعبي يؤيد ويوافق مثل هذه الممارسات، وتتحمل حكومة دمشق والميليشيات المتحالفة معها، ومجموعات المعارضة المسلحة وداعموها، المسؤولية الكاملة عن تجنيد الأطفال للقتال.

ومن ضمن المسائل التي تغيب عن أجندة النقاش غالبًا هي الصور النمطية التي بات ذهن الطفل السوري يحملها عن النزاع في سوريا، بالإضافة إلى صورة نمطية بات يحملها عن نفسه. وتتحمل وسائل الإعلام قسطًا ليس باليسير عن هذه الصور النمطية، وهي غالبًا صور سيحملها معه طيلة العمر. ويقوم الجوهر في هذه الصور على الخوف وإشاعة بيئة عدم الأمن، معززًا برؤية الأحباء يُقتلون أو يُشَوهون أو يُصابون أو يختفون، وهذا كله نقيضٌ وحشي للعالم الذي يحتاجه الطفل للنمو والبقاء سليمًا، عالمٌ يشعر فيه بالأمن والأمان والاطمئنان.

ومن المنطقي الافتراض بأن جيلًا كاملًا من الأطفال ضاع في سوريا للأسباب الواردة سابقًا، لكن الاستسلام لهذا المنطق يجر ويلات استسهال التفريط بالجيل الذي يليه، ومن يليه لاحقًا، وهكذا دواليك. تتحمل حكومة دمشق وزر الجرائم التي تُرتكب ضد أطفال سوريا، ويُشاركها في ذلك كل جهة تُضيعُ أي فرصة لإنقاذهم والسعي لتوفير فرص لبقائهم ونموهم وتطورهم، بشروط الحد الأدنى.

تابع قراءة ملف: من المهد إلى الحرب.. أطفال سوريا كبروا

– أطفال مقاتلون في سوريا.. جميع الأطراف تنتهك القانون

– أرقام “مخيفة” عن واقع الأطفال في سوريا

– “يونيسف” لعنب بلدي: لا نستطيع الوصول لكل الأطفال وتحديد المجرم ليس مهمتنا

– المعاهد الشرعية للأطفال.. منهجٌ يلقى قبولًا في إدلب

– معلمون يعملون “آباءً” لأبناء الشهداء في إدلب

– الغوطة الشرقية.. المجالس المحلية ومديرية التربية ترعيان التعليم

– مكتب “أصدقاء اليتيم” يرعى نشاطاته في دوما

– “بيت العطاء” مدرسة داخلية لرعاية الأيتام في الغوطة الشرقية

– “لمسة عافية” يرعى ذوي الاحتياجات الخاصة

– روضة “البيان” تنفرد برعاية الصم والبكم في الغوطة

– إصلاحية للأطفال “الأحداث” تُعيد تأهيلهم في الغوطة الشرقية

– حوران.. “غصن زيتون” تجربة رائدة في العناية بالطفل

– أطفال أطلقوا شرارة الثورة ثم غطوها إعلاميًا

– نشاطات لإنقاذ أطفال حلب.. التسرب من التعليم طال نصفهم

– حمص.. المنظمات والهيئات تُخفف معاناة الأطفال والمشاكل مستمرة

– “الإدارة الذاتية” تُجهّز منهاجًا جديدًا للتلاميذ والطلاب في الحسكة

– أطفال سوريون أثارت مأساتهم الرأي العام العالمي

– الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي.. معركة بعد المعركة

– المسرح والتمثيل طريقٌ للسلام في “بسمة وزيتونة”

– الطفل السوري ضحيةٌ لجميع الحروب

لقراءة الملف كاملًا: من المهد إلى الحرب.. أطفال سوريا كبروا

تابعنا على تويتر


Top