زمن الصعاليك

أحمد الشامي

قد يظن البعض أن وصول “دونالد ترامب” إلى هذه المرحلة من انتخابات الرئاسة اﻷمريكية هو حدث استثنائي وعابر، وأن هزيمته، التي يراهن عليها كثيرون، سوف تسمح بعودة الساسة المحترمين إلى صدارة اﻷمور.

الحقيقة هي أن زمن الصعاليك قد بدأ منذ عقود وليس فقط في دول العالم الثالث وفي “المزارع” العربية التي نسميها مجازًا “دول”. باستثناء دول أوروبا الشمالية، ألمانيا واسكندنافيا وإلى حد ما كندا وأستراليا، تبدو النخب الحاكمة في أوروبا بغربها وشرقها والولايات المتحدة وكأنها في طريقها للتشبه بـ “النخب” العربية من حيث رداءة أدائها وديماغوجيتها ولاأخلاقيتها.

هذه “الصعلكة” السياسية ليست ظاهرة حديثة، فقد كانت هناك ظواهر عديدة تدل على انحدار مستوى الطبقات الحاكمة في “أوروبا” قبل انهيار الجدار الحديدي. لنتذكر الراحل “الدو مورو” الذي اغتالته “المافيا” اﻹيطالية بعدما تلكأ في الالتزام بوعوده تجاه عصابات الجريمة المنظمة، خلفه “جيوفاني ليوني” كان أكثر حظًا فقد حوكم بتهمة الفساد وحينها ظهر للعلن التواطؤ بين العديد من الساسة اﻹيطاليين و”المافيا” التي كانت تمول حملاتهم الانتخابية وتقوم بتهييج، أو تهدئة اﻷحياء والنقابات بحسب حاجة هؤلاء الساسة.

يطول الحديث عن الساسة الأوربيين، شرقيين وغربيين، ممن أظهروا حماقة وضيق أفق وحتى عنصرية بغيضة. قبل المافيوزي “بوتين”، “ليش فاليسا” بدأ “محاربًا من أجل الحرية” وانتهى معتوهًا ينادي بطروحات عنصرية ويمينية متطرفة. دعنا من “اوربان” الهنغاري الذي يقتدي “بهتلر” وينادي بنقاء العنصر الأوروبي المسيحي اﻷبيض والذي قامت دولته “بتكريم” الصحفية التي عرقلت المهاجر السوري.

في أعرق الديمقراطيات، رأينا مدى السخافة لدى السيد “كاميرون” الذي نجح في إخراج بلده من أحد أرقى تجارب الاجتماع البشري عبر “البريكسيت” الذي يهدد حاليًا بتفجير المملكة المتحدة ذاتها.

في فرنسا، ليست بعيدة مرحلة السيد “ساركوزي” سيئ الذكر، والذي قام بتهييج أحياء المهاجرين من أجل إزعاج منافسه “دوفيلبان” قبل قبض اﻷموال من “القذافي” لتمويل حملته الانتخابية وما خفي أعظم.

الرئيس الفرنسي، “فرانسوا هولاند” وصل إلى السلطة ببرنامج انتخابي يساري لم ينفذ منه حرفًا واحدًا وقام بتطبيق سياسة معاكسة لكل وعوده! حاليًا فقط 4 بالمئة من الفرنسيين يثقون برئيسهم!

من الواضح أن السياسي الوحيد الجدير بهذا اللقب في “اوروبا” هو السيدة “ميركل”.

لندع جانبًا الشائعات التي تحدثت عن صلات وثيقة بين الرئيس اﻷمريكي “ترومان” والمافيا وفي وقت قريب وصل “جورج بوش الابن” للسلطة في الولايات المتحدة عبر تزوير صناديق الانتخابات في “فلوريدا”! خلفه “أوباما” وصل للبيت اﻷبيض عبر الانبطاح أمام زبانية “وول ستريت”، وهو ما تقوم السيدة “كلينتون” بفعله هذه اﻷيام على أمل منع المهرج “ترامب” من الوصول للمكتب البيضاوي.

المهرج ترامب هو كارثة بكل المقاييس، ليس فقط ﻷمريكا بل للعالم أجمع وللمسلمين على الخصوص. يظن البعض أن أمريكا الظالمة والمتجبرة تستحق هكذا رئيس سوف يقودها إلى الكارثة وربما إلى الحرب اﻷهلية. من المفهوم أن المفجوعين بالسياسة اﻷمريكية لا يريدون للعم سام سوى الخراب، وكيف يكون اﻷمر غير ذلك ونحن نرى أمريكا تتبارى في إبادة السنة مع حليفيها الفارسي والاورثوذوكسي، لكن انتصار ترامب لن يضع حدًا لهذه اﻹبادة على العكس من ذلك، سوف نخسر كل أمل في خلق تباعد مابين عدوينا اﻷمريكي والروسي.

لنتذكر أن “ترامب” هو رجل “بوتين” في الولايات المتحدة، وإن كان هناك حاليًا بعض التباين في سياستي البلدين، فلن يكون هناك أي تباعد إن وصل “ترامب” إلى البيت اﻷبيض وسنرى اثنين من “ظلال الشيطان على اﻷرض” واحد في “موسكو” والآخر في “واشنطن”.

تابعنا على تويتر


Top