الأدالبة يواجهون مصائب الحرب بـ “اللامبالاة”

Aleppo5.jpg

رجل يحمل طفلته التي قتلت بقصف لقوات الأسد في مدينة حلب - أيلول 2016 (AFP)

طارق أبو زياد – إدلب

“من الصعب معرفة إن كانت المنطقة قصفت أو أن مجزرة وقعت في المدينة إذا لم تكن في لحظة الحدث، فما هي إلا دقائق قليلة حتى يعاود الجميع نشاطاتهم، والسوق يسترد عافيته وكأن شيئًا لم يحدث، إذ اعتاد الناس على كل شيء، والقادم لن يكون أمرّ من الذي عشناه.. ببساطة الحياة تافهة ولا تحتاج أن نفكر فيها بالمآسي، اليوم أو غدًا سوف نموت كلنا”، بهذه الكلمات لخّص الحاج عماد الدين الحلو من مدينة إدلب حالة اللامبالاة التي يعيشها معظم السوريين في المناطق المحررة.

“عدم الاكتراث” الطريقة المثلى للهرب إلى الأمام

يقول الشاب باسل أبو المجد، وهو بائع مواد بناء في ريف حلب الغربي، لعنب بلدي إن الطريقة المثلى للتعايش مع ظروف الحرب هي عدم الاكتراث بالصعوبات والتهديدات، “هي الطريقة الوحيدة لتستمر الحياة في المناطق المحررة”، واعتبر أن ما يحدث في سوريا “قد يصيب المرء بالجنون حتمًا، ولا أظن أحدًا يتحمل التفكير بكل ما حدث”.

القصف، القتل، الجوع، الفقر، النزوح، التشرد، الكهرباء، الماء، الخبز، كلها عناوين لمآس كبيرة جدًا، بشكل لا يمكن لعقل أن يستوعبها جميعها، كما وصف أبو المجد، مضيفًا “تخيل لو فكرتُ واكترثت للمجازر التي شاهدتها مرارًا، والوضع الاقتصادي المتردي في منزلي، ونظرة أطفالي التي يملؤها الخوف.. تركت التقدير للخالق فما باليد حيلة”.

فقدان الأقارب أصبح اعتياديًا

“الله يرحمو ويتقبلو” كان الرد الوحيد للمقاتل في صفوف “فيلق الشام”، توفيق عبود، حينما بلّغه والده مقتل صديقه الحميم محمود، بقصف من الطيران الحربي طال قريته. ودون أن تذرف دموعه، تابع حديثه مع والده دون اكتراث.

تحدثت عنب بلدي إلى توفيق، وأخبرها أنه تجاهل وفاة محمود على مضض، “حزنت واحترقت، لكن مشاعري تبلدت، فبالأمس هو واليوم ربما أنا، وغدًا لا نعلم من، وما باليد حيلة”، وتابع بعد تأوه “ما الحل؟ قد جربنا كل شيء.. الطيران يقصف دون رادع، والأسعار تحلق دون رقيب، والكهرباء مقطوعة لا محال، فلا مهرب إلا اللامبالاة”.

نفاد الأدرينالين هو السبب

وفسّر الدكتور غزوان بويضاني، اختصاصي الطب النفسي في ريف دمشق، حالة اللامبالاة في المجتمع السوري عمومًا، موضحًا أنه بسبب معاناة معظم السوريين خلال الأعوام الفائتة لم تعد الحياة تحمل قيمة كبيرة، وبالتالي لا يحزنون على فقدانها، وربما يحسدون من سبقوهم بالموت من الأقارب والأصدقاء.

ورأى بويضاني، في حديث إلى عنب بلدي، أن هناك عاملًا آخر قد يكون سببًا رئيسيًا، وهي حالة التشاركية في المصائب، وهذه المشاركة تخفف من المعاناة، “كما يقولون بالعامية: يلي بشوف مصيبة غيرو بتهون عليه مصيبتو”.

وأما بالنسبة لتشخيص الحالة طبيًا، أوضح الطبيب أن التفسير “بيولوجي”، وهو “نفاد مخازن الأدرينالين، وهو الهرمون المسؤول عن القلق والخوف، بسبب كثرة ما نتعرض له من الأخطار اليومية”.

الصدمة الأولى هي الأصعب في كل شيء، بحسب المقاتل توفيق، والذي عاد للتو من جبهات القتال ضد قوات الأسد، وأوضح فكرته “عندما استشهد أول شاب في قريتنا خرج المئات إلى الشوارع في تشييعه، وألحقت بمظاهرات صباحية ومسائية، أما اليوم فالقتل بات عادة وسمة سورية خالصة، برعاية الأسد وروسيا والميليشيات، وبالتالي اعتدنا على كل شيء”.

تابعنا على تويتر


Top