صحف الثورة السوريّة: حريّات وليدة تقول وداعاً لصحافة «السيّد الرئيس» – شباب السفير

Untitled-25.jpg
      غلاف العدد الأخير من «عنب بلدي»
محمد دحنون
24/04/2012

تستمر «سوريا الثوّرة» في محاولة بناء عالمها البعيد درجة القطيعة مع كلّ ما يمتّ إلى «سوريا الأسد» بصّلة. كان «الإعلام» أحد أصول هذه القطيعة، بدايتها وأحد أسبابها: عجز النظام السوريّ عن إخماد صوت السوريين المنتفضين المطالبين بالحريّة، وعجز عن منعهم من إيصال ثورتهم، صوتاً وصورة، إلى العالم. تحوّل الكثير من هؤلاء إلى «مواطنين صحافيين»، ولأنّ رأس النظام عبّر، يوماً ما، عن «انزعاجه»، ليس ممن يتظاهر، بل ممن يصوّر التظاهرات ويرسلها إلى «القنوات المغرضة».
دفع بعض هؤلاء حياته ثمناً لهذا «الانزعاج»!
من جهة أخرى، وبعد أكثر من عام على انطلاقة الثوّرة، لم تولد حتى اليوم صحيفة وطنيّة ناطقة باسمها توّزع في عموم الأراضي السوريّة. يمكن أن يُنسب هذا «التقصير» إلى هيئات المعارضة المختلفة، لا سيّما «المجلس الوطني»، لعجزه عن إصدار جريدة في المنفى وإيصالها إلى الداخل المنتفض. تمّ تلافي هذا الأمر، والالتفاف عليه، من خلال عشرات الصحف «المتواضعة» التي تصدر في أكثر من مدينة وقريّة منتفضة، من بينها صحيفة «عنب بلدي» التي تصدر في داريّا (ريف دمشق)، وصحيفة «طلعنا ع الحريّة» الناطقة باسم «لجان التنسيق». هنا حديث مع رئيسي تحرير الصحيفتين.البدايات.. الحاجة والصعوبات!تقرّ ليلى الصفدي، رئيسة تحرير صحيفة «طلعنا ع الحريّة»، بتأخّر «لجان التنسيق» في إصدار جريدة ناطقة باسمها. وترى أنّه «كان من الأكثر طبيعية أن تنطلق هذه المشاريع بعد سقوط النظام»، وتعتقد أن أحد الأسباب التي جعلت من الضروري إصدار الصحيفة هو «الحاجة المتعاظمة لخطاب عقلاني ومدني ينطلق من الشعب إلى الشعب، ضمن هذه الظروف المفتوحة على احتمالات مجهولة».
من جهته، يشير موسى عبد الحق (اسم مستعار)، رئيس تحرير صحيفة «عنب بلدي» إلى أنّ مشروع الصحيفة جاء في سياق «سلسلة مشاريع قمنا بها»، وقد برزت الحاجة إلى الصحيفة مع «ارتفاع وتيرة سياسة التضليل الممنهج التي يمارسها النظام من خلال وسائل إعلامه كافة، فكان لا بد لنا، ولغيرنا، من محاولة صنع إعلام بديل يكون قادرًا على إيصال الأصوات الحقيقيّة إلى القارئ السوري البسيط الذي لا يجيد التعامل مع وسائل التصفح المتطّورة كالانترنت، فتكون الجريدة الورقية بين يديه الوسيلة الأسهل والأبسط لتلقي المعلومة وتداولها».
لا تختلف كثيراً طبيعة الصعوبات التي واجهت تجربة إصدار الصحيفتين، والتي يؤكد عبد الحق كونها مستمرة. بالنسبة إليّه واجهت تجربة إصدار «عنب بلدي» صعوبات تتعلّق «بالطباعة والتحرير والتوزيع وكذلك الدعم المادي». يضيف: «هذا عدا عن محاولات اعتقالنا أو اقتفاء أثرنا من قبل مخابرات النظام».
بالإضافة إلى ذلك، ترى الصــفدي جانباً آخر من المســألة: «فكرة الجريدة والقراءة، في ظل الظروف المروّعة التي تشهدها سوريا، هي فكرة فيها شيء من الترف والرومانسية». تضيف: «لكنه التحدي أن نبقى قادرين على القيام بنشاطات مدنية في ظل هذه الأوضاع، تحدي الحياة مقابل الموت».من شارع الثوّرة.. إلى سوريا

ليس ثمّة صحافيون محترفون في «عنب بلدي»، بل يقتصر الأمر بحسب عبد الحق على «مجموعة من الشباب من أبناء وبنات مدينة داريّا، من ذوي المستويات الأكاديمية المتقاربة والمتنوّعة». وينطبق الأمر تقريباً على بعض العاملين في «طلعنا ع الحريّة»، فهي تضمّ، إلى جانب الصحافيين، بعض « النشطاء على الأرض ممن يكتبون»، بحسب الصفدي.
أمّا عن مضمون الصحيفتين والفئات المستهدفة منه، فتقول الصفدي: «خطابنا موّجه إلى الداخل الثائر والصامت على حد سواء، كي نساهم بخلق الظروف الملائمة لتوحيد الشارع السوري بمواجهة جلاده.. والغايّة من ذلك هي المراهنة على السوريين أنفسهم في نجاح الثوّرة، لأن الرهانات الزائفة على عدالة هذا العالم وعلى وقوفه المفترض إلى جانب الحق والأخلاق أثبتت فشلها.. وكذبها.». تضيف: «مثلما قام بسطاء الشعب السوري بثورتهم المدهشة أردنا للجريدة أن تكون صوتهم وصداهم، الشعب الذي يثبت كل يوم تقدمه على النخب السياسية والثقافية الشائخة؛ الجريدة تحاكي نبض الشارع».
من جهته، يقول عبد الحق: «خطابنا يتوجّه إلى عموم السوريين، وأنظارنا تتجه صوب توحيد الصفوف وتقريب الأفكار، حيث نسعى في الصحيفة إلى خلق حالة من التنوّع في بعض المقالات بهدف تحقيق هذا التقارب، وكمثال على ذلك فإنّ صحيفتنا تطرح محاولة للتقريب بين منهجي العمل الثوّري السلمي والعسكري».

التوزيع.. والمستقبل!

صدر من «عنب بلدي» الأسبوعيّة ثلاثة عشر عدداً حتى اليوم، في حين أصدرت لجان التنسيق خمسة أعداد من «طلعنا ع الحريّة» النصف شهريّة. أمّا عن التوزيع فتشرح الصفدي إنّه يتم على مستوى لجان التنسيق المحلية في سوريا والمهجر، و«هي تحاول أن تغطي كامل المناطق الثائرة والهادئة، حيث تقوم التنسيقيات بطباعة ما أمكنها من النسخ، وهي بالطبع ليست كميات ضخمة كما يفترض بالجرائد الجماهيرية أن تكون، لكنها كافية إلى الحد الذي تسمح به الإمكانات والظروف».
بالنسبة لـ «عنب بلدي»، وبحسب عبد الحق فإنّ الحصة الأكبر من التوزيع تكون داخل داريّا، وجزء آخر يتم توزيعه ضمن مدينة دمشق، «لكن الأمر اللافت الذي فاجأنا منذ الأعداد الأولى كان مبادرة بعض شباب التنسيقيات في أوروبا الذين قاموا بطباعة الأعداد الأولى وتوزيعها في أكثر من مدينة..».
لكن ماذا عن مستقبل هذه الصحف؟! سؤال يطرحه واقع أنّ هذه التجارب ولدت في سياق الثوّرة، وربما تنتفي الحاجة إليّها بعد تحقيق الثوّرة هدفها الأوّل المتمّثل بإسقاط النظام.
لا يوافق عبد الحق على فكرة «انتفاء الحاجة» في حين تخــتلف ليلـى معه بهذا الرأي. تقول: «طلعنا ع الحرية هي جريدة لجان التنسيق المحلية في سوريا، وهي تستمر ما دامت اللجان مستمرة في عملها. بعد سقوط النظام ستبدأ مرحلة جديدة في تاريخ سوريا وستفرز حراكها وجرائدها وخطابها». وتستدرك: «لكن، تبقى الصحيفة، عموماً، من أهم النشاطات المدنية في المجتمعات المتحررة، وهي منظم اجتماعي هام لا يمــكن الاستــغناء عنه، وأمام الشعب السوري الكثير لإنجازه على صعيد بناه المدنية والسياسية والثقافية». أمّا بالنسبة لعبد الحق فإنّه يعتقد واثقاً من «أن «عنب بلدي» هي مشروع حقيقي لصحافة مستقبلية حرة، نكرّس كل اهتمامنا لأجل إنجاحه في سوريا الجديدة، سوريا الدولة المدنية التعددية».

رابط المقالة الأصلية

تابعنا على تويتر


Top