حين لا يعلمنا الدم..

محمد رشدي شربجي

كان نيتشه يقول في “زرادشته” إن أفضل الإبداع هو الناتج عن الألم، ولذلك فإنه يرى أن المعرفة المغمسة بالدم هي المعرفة التي ستوصل البشرية إلى “الإنسان الأعلى”، وبسبب الألم تحول الإنسان إلى مخلوق يستطيع أن يفي بوعده. وبغض النظر عن نيتشه وتأثيراته على الفاشية إلا أن كلامه صحيح هنا، فالمنطق يقول أن حروف الألم أقوى الحروف حفرًا على صخرة الذاكرة.

يحاول البعض دائمًا الاستفادة من تجارب الآخرين لتجاوز أخطائهم، ولكن الحقيقة للأسف أنه في أغلب الأحيان لا تستفيد المجتمعات من تجارب بعضها، وتصر غالبًا على تكرار ذات الأخطاء التي كان من الممكن تجنبها، ولكن ما هو مرجح أكثر أن تستفيد المجتمعات والدول من تجاربها الشخصية ذاتها، وهذا ما كان في نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال الذي صممته الولايات المتحدة بناء على تجارب فاشلة “مغمسة بالدم” نتجت عن الحرب العالمية الأولى.

على هذا المنوال جرت في الولايات المتحدة ملايين المناظرات وكتبت آلاف الكتب والمقالات وشكلت لجان المحاسبة في الكونغرس ومجلس الشيوخ لمناقشة شيء واحد فقط، وهو إن كان قرار جورج بوش بغزو العراق صائبًا أم لا، وبسبب نتيجة هذه المناقشات التي أظهرت أن الخطأ كان كارثيًا على أمريكا بكل المقاييس، بنى أوباما برنامجه الانتخابي على ضرورة ألا تتدخل الولايات المتحدة بجنودها عسكريًا في أي مكان.

لا ينطبق ما سبق على ما يبدو على فصائلنا للأسف، فبعد هدوء طال وكثر انتقاده، قررت فصائل درعا الهجوم على الكتيبة المهجورة، وقد حقق الثوار تقدمًا نوعيًا داخل الكتيبة خلال الساعات الأولى، ثم و”كالعادة” حدث خلل ما يحدث كل مرة لا يتحمل مسؤوليته أحد، وتوقفت التغطية النارية للمهاجمين، وهو ما مكن النظام من الالتفاف على المهاجمين الذين حوصروا داخل الكتيبة إياها وقضي عليهم جميعًا! أربعون ثائرًا من درعا أظهرت صفحات الموالين ساديتها وهي تتباهى بنشرها جثثهم. خسرتهم الثورة بسبب خطأ عسكري يتكرر كل حين.

ليس بعيدًا عن درعا في الغوطة الشرقية أو ما تبقى منها، يتصارع جيش الإسلام مع فيلق الرحمن وجيش الفسطاط، وبالضبط يستحيل على المرء معرفة على ماذا الصراع تمامًا، إذا كان ما تبقى أبنية مهجورة ودور خراب! كيف يجد هؤلاء الوقت الكافي لمناكفة جيش الإسلام وهي تتساقط جبهاته مع النظام واحدة تلو الأخرى! ألا يكفي ما حدث في داريا وغوطة دمشق الغربية؟

حتى لكأننا ننتمي إلى غير هذا الكوكب، يتعلم الآخرون من تجاربهم ونحن نتباهى بتكرار كوارثنا، هل هانت علينا دماؤنا إلى هذا الحد؟ ويكاد يحار المرء كيف من الممكن أن تتكرر ذات الأخطاء الكارثية بهذا التردد مع أن جميعها مغمسة بالدم، ما القادر إذن على تعليمنا بالضبط إذا لم يعلمنا الدم؟

تابعنا على تويتر


Top