السوريون ونتائج الانتخابات الأميركيّة

أكرم البني – الحياة

تتباين مشاعر السوريين ومواقفهم من النتائج المرتقبة للانتخابات الرئاسية الأميركية، تبعاً لتباين رهاناتهم واصطفافاتهم السياسية ومرجعياتهم الفكرية.

والبداية من أوساط النظام السوري، التي لا تخفي عموماً رغبتها في نجاح دونالد ترامب وسقوط هيلاري كلينتون، إما لأن بعضهم يعتبر الأخيرة أخطر على الصراع الدموي المستعر في البلاد مستحضراً تصريحاتها عن تحميل النظام مسؤولية ما جرى وتكرار مطالبتها برحليه، وحماستها لدعم المعارضة وتمكينها، بينما تشي مواقف ترامب بتأييد السلطة القائمة والمساندة الروسية لها في التصدي لتنظيم «داعش» والإرهاب الجهادي، لتصل إلى اعتبار الرئيس بوتين صديقاً وفياً ومثالاً يحتذى! وإما لأن ثمة من يجد في ترامب، بتصريحاته العنصرية والاستفزازية وبعض مسلكياته غير القانونية وغير الأخلاقية، الشخص الذي يجب أن يفوز كي يظهر الوجه الحقيقي لأميركا البشع والأناني والجشع… (كذا)، والذي طالما أخفته، كما يعتقدون، تحت عناوين نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان! في حين يعول طرف ثالث على نجاح ترامب لما قد يسببه من احتقانات وتوترات في صفوف الأقليات الأميركية، تشغل واشنطن عن السياسة الخارجية، وتعزز اهتمامها بالبيت الداخلي، ما يعمق عزلتها وسلبيتها ويترك ساحات الصراع العالمية مفتوحة كي يستفردون بها، من دون رقيب أو حسيب!

في المقابل، تميل أوساط المعارضة السورية على اختلاف أطيافها إلى كلينتون في رهان ضمني أو معلن بأن يحمل نجاحها تغييراً في الموقف السلبي والمتردد لواشنطن من المأساة السورية نحو دور فاعل يمكنه تغيير موازين القوى على الأرض، والضغط على النظام السوري وحلفائه لوقف العنف والالتفات إلى المعالجة السياسية التي بات السوريون في أمسّ الحاجة إليها، وإذ ينضم الى هؤلاء معارضون إسلاميون يحبذون نجاح كلينتون رداً ورفضاً للتصريحات المسيئة للإسلام والمسلمين التي كررها ترامب في غير مناسبة، فإن بعضهم ينطلق من حسابات الحليف الإسلامي التركي ليميل بمشاعره نحو ترامب في رهان على أن يفضي نجاحه إلى إضعاف الولايات المتحدة وما تسببه من منغصات لحكومة أنقرة، ومثلهم من ينظر إلى الأمر من القناة الفلسطينية ويعتبر مجيء كلينتون أكثر ضرراً ما دام الحزب الديموقراطي هو الأقرب تاريخياً الى دولة إسرائيل من الحزب الجمهوري، حتى لو كان ترامب هو من يمثله اليوم! بينما يذهب معارضون آخرون إلى تأييد نجاح كلينتون حتى وإن لم تتخذ موقفاً جديداً من المحنة السورية، والدافع هو قطع الطريق على شخصية عبثية كترامب من قيادة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، ما يطلق العنان لمزيد من الانفلات المجنون نحو التطرف والتعصب والعنف.

من جهة أخرى، يظهر الشارع السوري المنكوب عدم اكتراثه بالانتخابات الأميركية، ويبدو الأمر سيان عنده، سواء نجح ترامب أم كلينتون، ربما بسبب تلمّس غالبية السوريين عدم وجود فوارق جوهرية بين موقفي المرشحين من محنتنا، إن لجهة تشاركهما في منح الأولوية لأوضاعهما الداخلية، وإن لجهة سوق حجج وذرائع متشابهة في تبرير إهمال الوضع السوري وترك جرحه النازف مفتوحاً، وربما بسبب شيوع إحساس بأن البيت الأبيض الذي استمر في استرخائه المخزي وإحجامه لأكثر من خمسة أعوام ونصف العام عن حماية المدنيين السوريين، واستهتر بما يحلّ بهم من فظائع ودمار وخراب، لن يكون محرجاً سياسياً وأخلاقياً إن استمر في الإحجام عن اتخاذ أي موقف أو تدبير يساهم في تخفيف حدة مأساتنا الإنسانية.

لكن الغريب أن تحضر هذه المرة أسباب أخرى غير سياسية شجعت فئات من المجتمع السوري على متابعة العملية الانتخابية الأميركية، مرة أولى، بدافع الفضول لمتابعة جديد الفضائح التي تثار حول الحياة الشخصية لكل مرشح، ولمعرفة كيف سيتعاطيان في لحظة إعلان النصر أو الاعتراف بالهزيمة، بخاصة بعد أن جاهر ترامب بأنه لن يقبل النتيجة في حال لم يفز، وهل تترتب على ذلك ردود أفعال حادة من أنصاره في الشارع، وتشهد بعض المدن الأميركية تظاهرات وفوضى، أم يبقى تهديده مجرد كلمات دعائية يتم تناسيها بعد انتهاء العملية الانتخابية؟! ومرة ثانية، لحسابات تفرضها معاناة المهجرين واللاجئين السوريين، إن في مخيمات الشتات حيث يعولون على نجاح كلينتون في تخفيف حدة ما يكابدونه ربطاً بما أظهرته من تعاطف إنساني مع معاناتهم، ضد ترامب غير المهتم بأوضاع الضعفاء والمظلومين في بلاده، فكيف بأوضاعهم؟! وإن لدى طالبي اللجوء في البلدان الغربية نتيجة تحسبهم من أن يفضي نجاح ترامب إلى تشجيع قوى اليمين المتطرف في أوروبا وتمكينها من التقدم انتخابياً، وانعكاس ذلك تشدداً على شروط حياتهم وفرص قبولهم واستقرارهم.

وعلى رغم إدراك السوريين، أياً كانت مواقعهم، أن مواقف واشنطن تحددها مصالحها الخاصة وليس رغباتنا وحاجاتنا، وأن لا تعويل يذكر على الرئيس الجديد تجاه مأساتنا، لم تخدعهم اندفاعات روسيا ونجاحها في ملء الفراغ الذي خلفه انحسار سياسة واشنطن للتقليل من دور الأخيرة ووزنها، بل إن غالبيتهم تدرك حقيقة الدور الريادي للولايات المتحدة عالمياً، وخبرت كيف يهدأ التصعيد الروسي ويتراجع عندما تعترضه جدية المواجهة الأميركية، وتدرك أيضاً أن موقف واشنطن السلبي من محنتنا كان له تأثير كبير في ما وصلنا إليه، وأن ليس من تغيير نوعي في توازنات القوى القائمة ومسار الصراع الدموي إن لم تحدوه سياسة حاسمة للبيت الأبيض في إطفاء هذه البؤرة من التوتر، والأمر لا يرتبط فقط بما تحوزه الولايات المتحدة اليوم من قوة سياسية وعسكرية واقتصادية وعلمية، لا تضاهيها أية قوة، أو بدورها التاريخي الراهن بصفتها القاطرة التي لا تزال تجر الإنسانية وراءها، ثقافياً وحضارياً، وإنما أيضاً بنجاحها الملموس والموثق، في تقرير مصير الكثير من الصراعات الوطنية والأزمات الإقليمية، بما يعني أن موقف واشنطن ودورها لا يزالان شرطين لازمين، يتعززان في الخصوصية السورية مع غلبة التدخلات الخارجية، لتحديد مسار الصراع القائم ورصد احتمالات تطوره.

تابعنا على تويتر


Top