داعش خيال الظل

بشير البكر – العربي الجديد

تدور الحرب ضد داعش على أكثر من جبهة. في العراق وسورية ولبنان ومصر والسعودية وليبيا وبلدان أوروبية. وفي مراتٍ عديدةٍ، جرى الحديث عن استعادة مدن ومناطق شاسعة من سطوة هذا التنظيم في سرت الليبية والفلوجة والرمادي العراقيتين ومناطق الشريط الحدودي السوري مع تركيا، وفي كل حملةٍ عسكريةٍ ضد داعش، يتم استخدام مصطلحين. الأول تحرير المنطقة من داعش. والثاني طرد داعش من المنطقة، ولم يتحدّث أحد عن القضاء على داعش إلا في مرات نادرة، وكان اللافت أن الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، تطرق في افتتاحه مؤتمر وزراء دفاع التحالف ضد داعش إلى التفكير بمصير الدواعش الذين سوف يعودون بعد تحرير الموصل والرقة.

الثابت حتى الآن أن الهزائم التي تعرّض لها داعش في الفلوجة والأنبار وجرابلس ودابق وسرت لم تفض أي منها إلى أسر حتى عنصر واحد من عناصر التنظيم، بل وأكثر من ذلك لم يعرض أيٌّ من الأطراف حتى جثة لداعشي قتيل، ولا يتعلق الأمر باحترام الموتى، وحتى لو كانت القضية على هذا النحو، فإنه كان سيتوفر صحافي أحمق يلتقط صورةً لداعشي قتيل أو أسير، وسينشرها، ولو من باب الفضول.

حين عاد داعش إلى احتلال مدينة الرطبة العراقية، على الحدود العراقية الأردنية، جرى الحديث عن 80 مقاتلاً من هذا التنظيم قدموا من سورية، وأغاروا على المدينة واحتلوها، وهذا أمر لا يمكن تصديقه على الإطلاق، لأن أعداد الشرطة والجيش في المدينة بالآلاف، وقد تم تزويدهم بأسلحة أميركية قبل أيام من ذلك. وبالتالي، إما أن يكون عدد مقاتلي داعش أكبر من ذلك بكثير، أو أن هناك لغزاً لا يريد أحدٌ من الذين يضعون الخطط ويقودون المعارك ضد داعش أن يفك رموزه. وينسحب هذا الأمر على تعداد مقاتلي داعش الفعليين، حيث لا تتوفر حصيلة تقريبية. وعلى سبيل المثال، ذكرت أوساط عراقية ودولية أن عددهم في مدينة الموصل قرابة 6 آلاف، وإذا كان العدد كذلك فعلاً، لماذا تم حشد قرابة 60 ألف جندي، ولا تزال الإنجازات الميدانية متواضعة بعد 20 يوماً على بدء المعركة؟ فإما أن العدد أكبر من ذلك بكثير، أو أن 10% من القوات التي جرى حشدها تشارك فعلياً في القتال، والباقية هي من أجل عراضات إعلامية، كما الحال مع الحشد الشعبي الموالي لإيران الذي تقتصر مشاركته في المجهود الحربي على البقاء بعيداً عن ساحات المواجهة والاكتفاء بالهتافات، وعرض الشعارات الطائفية التحريضية، ورفع صور قادة إيران والإمام علي وولده الحسين، وما أن ينقشع الغبار حتى يتسلل هذا الجيش الكبير للتنكيل بالمدنيين.

سوف تلقي نتائج معركة الموصل الضوء على هذا الغموض الذي يتعلق بمصير مقاتلي داعش، حتى لو تسلل قسم كبير منهم إلى الرقة السورية، أو هربوا إلى أماكن أخرى، إلا أنه يتوجب عدم استبعاد فرضية الدواعش المحليين الذين يقاتلون على أرضٍ يعرفونها، ووسط بيئة حاضنة ليست معاديةً بالضرورة، وهذا ما يفسر نظرية ذوبان عناصر التنظيم في كل مرةٍ يخسرون المواجهة.

دخل داعش الموصل بـ600 مقاتل، وبعد فترة وجيزة أصبح قوةً عسكرية كبيرة، وهذا ما يمكن ملاحظته من مسار المعركة، ما يؤكد فرضية الدواعش المحليين، وهؤلاء موجودون في العراق أكثر منهم في سورية، وهم يعودون إلى الزمن الذي التقى فيه حزب البعث العراقي مع تنظيم القاعدة بعد الاحتلال الأميركي. وبالتالي، لن ينتهي هذا الواقع المعقد بكسب المعركة عسكرياً، وإنما بعملية سياسية جادة لتجفيف المحيط الذي نمى فيه داعش، وتمدّد.

تابعنا على تويتر


Top