لماذا ننسى بلفور ونتذكر إيران؟

حسام عيتاني – الحياة

لم تخرج الكتابات التي تناولت الذكرى التاسعة والتسعين لوعد بلفور عن الأطر التقليدية التي تحيط بهذه المناسبة منذ عقود. لكن الذكرى ذاتها بدت وكأن النسيان قد غلفها، في الوقت الذي تشتعل المنطقة بحروب من كل صنف ولون ويطغى عليها الشقاق السني – الشيعي.

لا يصدر نسيان وعد بلفور وانحسار الاهتمام به، عن نقص في إدراك ما جرّه على المنطقة من احتلال واقتلاع شعب من أرضه ونكبة كاملة الأوصاف، ولا عن ندرة في وطنية من يكتب ويبحث في السلوك الإيراني، بل عن اختلاف جذري بين ما حملته رسالة وزير الخارجية البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى إلى البارون روتشيلد، الشخصية البارزة في الحركة الصهيونية، وبين مدى الخواء الذي كشفته الثورات العربية وقبلها الغزو الأميركي للعراق، من تجوف داخلي.

يجوز هنا لفت الانتباه إلى أن وعد بلفور (وهو، كما بات معروفاً، ليس «وعداً» بل إعلاناً عن نوايا الحكومة البريطانية)، جاء في سياق عدد من الوعود والإعلانات التي أصدرتها بريطانيا وحلفاؤها في الحرب الأولى لكسب الحلفاء وتعزيز الجبهتين السياسية والعسكرية المناهضتين لخصومها. مراسلات ماكماهون – الشريف حسين تنطوي على «وعد» بإقامة مملكة عربية، كما أن اليونان تلقت «وعداً» غربياً بمساندة «الفكرة الكبرى» («ميغالي آيديا») التي احتضنها غلاة القوميين اليونانيين والقائلة بضم أجزاء واسعة من غرب تركيا إلى اليونان. الوعدان الأخيران لم يريا النور فيما صمد وعد بلفور لأسباب تتعلق بالقوى الذاتية المحلية في الدرجة الأولى. لكن هذا موضوع آخر.

الأهم في هذا المجال أن التجوف العربي الداخلي فتح المجال واسعاً أمام الطموحات الإيرانية. والميزة الكبيرة بين المشروع الإيراني الذي يتمدد يومياً من اليمن إلى لبنان ويحقق إنجازات كبيرة لا تخفى على كل ذي بصيرة، وبين المشروع الصهيوني، أن الأول يعمل على تظهير التناقضات الداخلية العربية واستغلال تاريخ من العلاقات البائسة بين السنة وبين الشيعة العرب. فيما ظلت تدخلات إسرائيل في الشؤون العربية الداخلية سواء في التحالفات التي أقامتها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية أو المساعدات التي قدمتها في بعض المراحل لأكراد العراق أو دورها في جنوب السودان، أضعف كثيراً من مقاربة الخلل البنيوي العربي الذي ضربه التدخل الإيراني في صميمه.

أصابت السياسات الإيرانية البنى السياسية العربية الهشة في مقتل وكشفت فواتها وخيانتها لكل ادعاءات الحداثة والتقدم والعلمانية وعرّت مضمونها الطائفي والقبلي. امتدت يد إيران إلى احشاء دول المشرق وشعوبها التي ذهلت من سهولة اختراقها وتشتيت جموعها. وحالت السياسات هذه، بسبب وصولها إلى قلب التناقضات الداخلية العربية، دون بناء إجماعات واقعية أو مفروضة من جانب الحكومات على النحو الذي حصل حيال الإجماع العربي المفترض بدعم الحق الفلسطيني ورفض الاحتلال الإسرائيلي.

محال اليوم بناء إجماع وطني لبناني، على سبيل المثال لا الحصر، يتضمن موقفاً سلبياً أو إيجابياً، سيان دعا إلى المقاطعة أو إلى تعزيز التعاون، حيال إيران. فهذه تقيم في عمق الصراعات اللبنانية. لا المذهبية بين السنة والشيعة فحسب، بل في الموقف من معنى الدولة والمجتمع والوطن والانتماء العربي. الأمر ذاته ينطبق على اليمن والعراق وسورية وغيرها.

وحرب المئة سنة التي نشهدها اليوم لن تضع أوزارها قبل صوغ تلك الإجماعات القصية والعسيرة بين مواطني كيانات المشرق العربي.

تابعنا على تويتر


Top