الشرق الأوسط بين “تعهد” ترامب و”تخوف” كلينتون

هدى الحسيني – الشرق الأوسط

الرئيس الذي اعتمد شعار «عدم الفعل» كسياسة عامة تقترب رئاسته من النهاية، وإذا تطلع الرئيس الأميركي باراك أوباما على المشهد الجيوسياسي العالمي، يجد أوروبا مرعوبة من الحزم الروسي، وبلاده تواجه المطحنة الصينية، ويرى موجة غير مسبوقة من الهجرة العالمية، فيها الأفارقة، والعرب والآسيويون، ويرى تغيرًا للمناخ، تم التوقيع على الحد منه، لكن لم يبدأ تطبيقه بعد، ويرى بالتحديد الشرق الأوسط كنقطة محورية لكثير من هذه التحديات. فالهجرة بالذات التي طالت الآن أبناء الدول الغارقة في الحروب قد تشمل لاحقًا أبناء دول غنية، بلغت درجة الحرارة فيها الصيف الماضي نقطة غير مسبوقة، مع ما سيليها من جفاف لأرضها ولمياهها.

من المؤكد أن إدارة الرئيس الأميركي المقبل ستواجه توترات كثيرة في الشرق الأوسط: حروبًا أهلية متعددة، انهيارًا للدولة وتشردًا للشعوب، وهذا يفرض على الإدارة المقبلة، أكانت من الجمهوريين أو من الديمقراطيين اتخاذ نهج استباقي قصير وبعيد الأمد، لذلك تعمل نخبة من مراقبي السياسة الخارجية في الحزبين على وضع الأساس للسياسة الخارجية الأميركية.

ليس من غير المألوف أن تنكب المؤسسات المتخصصة على وضع الدراسات المهمة في الأشهر الأخيرة من فترة أي رئيس أميركي لتصحيح أخطائه، والتأثير على من سيخلفه. مركز «التقدم الأميركي» وضع تقريره بعنوان: «الاستفادة من قوة الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط – خطة لتعزيز الشراكات الإقليمية». أشرف على التقرير بريان كاتوليس، زميل متقدم في المركز، بمشاركة محللين وباحثين آخرين، أمضوا السنتين الأخيرتين في المنطقة. يرى التقرير أن أحداث المنطقة الأخيرة جعلت بعض الأميركيين يتساءل عن معنى التدخل الأميركي في المنطقة، لكن هذه الأحداث بالذات بدءًا من صعود «داعش»، إلى أزمة اللاجئين التي امتدت إلى أوروبا تثبت أن للولايات المتحدة مصالح مهمة على المحك إزاء ما يحدث في المنطقة.

يدعو التقرير الولايات المتحدة إلى الابتعاد عن دور إدارة الأزمات إلى مفهوم القيادة الأميركية المتجددة والمتفاعلة في المنطقة التي تصعّد التزاماتها العسكرية، إضافة إلى انخراط دبلوماسي واقتصادي.

هناك دعوة للرئيس المقبل إلى تنويع التعاون المتعدد الأطراف مع الشركاء الإقليميين، واتخاذ خطوات سريعة وحاسمة لوضع إطار أمني إقليمي، مع الإشارة إلى أن يكون مستعدًا لاستخدام القوة الجوية لحماية شركاء الولايات المتحدة والمدنيين في عدة مناطق في سوريا، مع التفكير بإقامة مناطق آمنة، وأيضًا حماية المعارضة السورية المعتدلة من هجمات النظام وغارات الروس.

ليس معروفًا ما إذا كان ممكنًا تطبيق هذه الاقتراحات من قبل الرئيس الأميركي المقبل. فالمرشح الجمهوري دونالد ترامب «قرر» أن يحتفظ بخطته العسكرية لهزيمة «داعش»، ولا يبدو أن هذه الخطة تشمل حماية المدنيين بل هو يرى أن النظام السوري يقوم بهذه المهمة، وكذلك القوات الروسية. أما المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون فقد قالت في تعليقات خاصة للمصرفيين، حسب تسريبات «ويكيليكس»: «إن إقامة ملاذات آمنة ستكون أمرًا صعبًا يتطلب تدمير الدفاعات الجوية السورية، وبالتالي لا يمكن الاعتقاد بأن خوض الحرب ضد الأسد ليس أيضًا ضد الروس».

من هنا، يقترح التقرير تكثيف التواصل الدبلوماسي مع الشركاء الإقليميين الذين يرتبطون بواشنطن بعلاقات قديمة، بهدف تنظيم مؤتمر إقليمي في أوائل عام 2018 يقوم على رؤية مشتركة طويلة الأجل للشرق الأوسط.

كما يدعو مركز «التقدم الأميركي» الإدارة الأميركية الجديدة إلى مواجهة النفوذ الإيراني السلبي، وضمان امتثالها لبنود الاتفاق النووي، وفي الوقت نفسه استخدام النفوذ مع الشركاء الإقليميين لنزع فتيل الصراعات الداخلية، والعمل مع الشركاء العالميين لخلق مواثيق دولية، تدعم فعالية ونمو الحكومات الشرعية والمجتمعات في المنطقة.

يجد التقرير إيجابية في الإدارة الثانية للرئيس أوباما، حيث ضاعفت من استثماراتها في الشراكات مع دول المنطقة، خصوصًا على الجبهة العسكرية، لكنه يجد أن هذا النهج غير مكتمل، لا بل يفتقر إلى إطار استراتيجي للمدى الطويل.

هناك عدم ثقة متبادل بين أميركا وحلفائها، وذلك لعدة أسباب؛ أبرزها حرب العراق عام 2003، وما أسفر عنها من زعزعة الاستقرار في المنطقة، والردود الأميركية على الانتفاضات العربية، والخلاف حول دور الإسلام السياسي، والموقف الأميركي من الحرب الأهلية في سوريا، والقلق من أن الاتفاق النووي مع إيران كان محاولة لبناء شراكة أميركية معها، يضاف إلى ذلك جهود إدارة أوباما لإعادة التركيز الأميركي على مناطق أخرى في آسيا، فخلقت انطباعًا خاطئًا في الشرق الأوسط بأن أميركا على وشك الانسحاب الكامل من المنطقة.

من ناحية عدم الثقة التي عاشتها أميركا، فإن السبب كان هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، إضافة إلى دعم بعض شركائها الإقليميين التفسيرات المتطرفة للإسلام. من هنا يدعو التقرير الأميركي الإدارة المقبلة إلى السعي لإعادة تقويم الارتباط الأميركي في المنطقة والتركيز على تعزيز التعاون «مع الشركاء المعروفين» والمزيد من التواصل مع جيل الشباب، وجهود أكثر لبناء حوافز إيجابية لدعم الشرعية السياسية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

لا يتردد التقرير في أن يطلب من الإدارة المقبلة أن تلتزم. فإذا كانت الخطوات التي دعا إليها لا يمكن تطبيقها دفعة واحدة، لكن قد تتحقق إذا نصّت الولايات المتحدة وبوضوح على التزاماتها وأهدافها بعيدة المدى في المنطقة، لأنه في وقت التجزئة الإقليمية تستطيع واشنطن أن تلعب دورًا مهمًا في بناء الشراكات على جبهات الأمن والدبلوماسية والاقتصاد، وتعمل بالذات على منع استمرار انهيار أنظمة دول الإقليم.

تقرير «الاستفادة من قوة الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط» يعترف بأن العلاقات بين واشنطن والدول الأخرى تتغير، فالأطراف كلها يجب أن تحترم دورة التاريخ وحق الشعوب كلها بالتعبير عن رأيها في ظل قوانين تحفظ حقوقها. في صفحاته يدعو الإدارة الأميركية المقبلة إلى وجوب العمل مع شعوب المنطقة وشركائها الموثوقين الذين يُمكن الاعتماد عليهم من حكومات قادرة وقطاع خاص «لإبرام صفقة جديدة مع الشرق الأوسط».

هناك توافق في العالم على تدني الهالة الأميركية وتقلُّص دورها. هكذا أراد الرئيس الحالي باراك أوباما. والمقابلة التي أعطاها لمجلة «أتلانتيك» في الشهر الأول من العام الحالي، كانت بمثابة جرس إنذار لكثير من الدول العربية، فكان عليها أن تنوع في تطلعاتها وتكون حذرة. ورغم الاعتراف بأن أميركا تبقى القوة الأقوى في العالم اقتصاديًا وعسكريًا، فإن هذا لم يمنع الصين مثلاً من مواصلة استراتيجيتها، ولم يمنع روسيا – بوتين، رغم كل المشكلات الاقتصادية وأزمة أسعار النفط من التحدي.

تقرير مركز «التقدم الأميركي»، يؤكد أهمية الشرق الأوسط لأميركا. فموقع المنطقة الجغرافي حيوي للنقل البري والبحري والتجارة العالمية، وهي مستمرة حتى اليوم في دورها بربط آسيا وأفريقيا وأوروبا حتى مع مشكلاتها الحالية. يقول التقرير إن للمنطقة إمكانات كبيرة للنمو الاقتصادي على المدى الطويل. ويشير إلى عدد من دول الخليج العربي الغنية، التي تتجه إلى تنويع اقتصادها، فهذا يمكن أن يخلق إمكانات جديدة للنمو الاقتصادي والاستثمار الأجنبي المباشر. ثم يقول: «في الشرق الأوسط هناك (طعن) للحريات الأساسية، وبالتالي ما سينتج عنه سيكون له التأثير المباشر على الأمن الأميركي»، ويعطي مثلاً: «شراسة نظام الأسد ضد شعبه في سوريا، والصراع ضد المجموعات المتطرفة التي تهدف إلى إقامة مجتمع اليوم كما تتخيل أنه كان قائمًا قبل ألف سنة».

وكنصيحة لدول المنطقة، يطرح التقرير ما أصبح واقعًا حتى لو حاول كثيرون قمعه، وهو بروز التعددية السياسية والدينية، والمزيد من الانفتاح، والمساواة للنساء واحترام حقوق الإنسان العالمية بغض النظر عن العرق أو الدين أو التوجه الجنسي.

إذا احترمت دول الشرق الأوسط هذه الحقائق، يقول التقرير إن ذلك سيكون من مصلحتها، لأن الولايات المتحدة يمكنها أن تشجع وتساعد الناس والبلدان في المنطقة على التوجه نحو طريق التقدم، لكن يبقى الأمر متروكًا لشعوب المنطقة للسير فعلاً في هذا الطريق.

تابعنا على تويتر


Top