مقاتلون في سوريا.. ليس الموت أكثر ما يقلقهم

syria1.jpg

عفاف جقمورإدلب

يغادر المنزل دون أن يترك فيه ما يسد رمق أطفاله الثلاثة. لم يترك لأسرته قبل المعركة سوى كلمات وتوصيات ودموع مفارق.

“أبو أحمد” مقاتل يشارك في معركة حلب لديه ثلاثة أطفال أصغرهم بعمر سنتين، ولم يجد ما يتركه لهم من حليب أطفال ولوازم البيت، ليسافر من إدلب إلى معركة حلب تاركًا وراءه عبئًا ثقيلًا.

مِنَح المقاتلين الشهرية لا تكفي لإعالة أُسَرهم

تقدم الكتائب مِنحًا شهرية للمقاتلين تتفاوت بين فصيلٍ وآخر لكنها مبالغ زهيدة بمجملها، إذا ما قورنت بالمستوى المعيشي، إذ تتراوح بين 50 و100 دولار، وربما دُفعت على نحو متقطع إذ تتوقف لشهرين أو ثلاثة.

ولا يوجد إحصائيات رسمية عن كيفية تأمين هؤلاء المقاتلين حياتهم، لكن تقديرات تذهب إلى أن 75% منهم لا يعتمدون على هذه المِنح لإعالة أسرهم، بل على عملهم خلال أيام الراحة في أعمال حرفية وصناعية.

ليس الموت أكثر ما يقلقهم، بعضهم ترك أسرته لا يدري ما يحل بها بغيابه، يساوره القلق بشأنها. سارية بيطار، وهو لوجستي عسكري في إحدى الفصائل، يقول لعنب بلدي إنه رأى قياديًا في حالة اكتئاب وقلق، وحينما حاول معرفة السبب للتخفيف عنه علم أن زوجته لديها حالة ولادة قريبة وليس لديه ما يقدمه لها للقيام بشؤونها، ويضيف “لديهم عزة نفس، فلا يرضى أحدهم التصريح بهذه الصعوبات التي تواجهه”.

تتراوح نوبة التمركز على جبهات القتال في الأيام الاعتيادية من يومين إلى ثلاثة أيام، بينما تستمر نوبات العمل خلال المعارك من أسبوع إلى أسبوعين بشكل متواصل، آلاف المقاتلين يتناوبون خلال المعارك المستمرة ويعودون ليأخذوا قسطًا من الراحة ليوم أو يومين ومتابعة عملهم على الجبهة فيما بعد.

تغيّر الإعداد العسكري بمرور سنوات الثورة

تجهيزات المعركة حاليًا تدعمها الكتائب بشكل كامل من مصادر دعم الفصائل، (سواء كان الداعم شخصًا أو من غنائم معارك)، لكن هناك عددًا قليلًا من المقاتلين لديهم تجهيزاتهم الخاصة كـ “بندقية- روسية”، في حين يشارك آخرون بذخائرهم أيضًا، إلا أن عددهم لا يكاد يذكر بسبب تراجع المستوى المعيشي للكثير من المقاتلين.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من المقاتلين، كان في وقت سابق عبد القادر الصالح، قائد لواء التوحيد، وقال مصدر مقربٌ منه لعنب بلدي إن “الشيخ باع معظم أملاكه ليشتري أسلحة وذخيرة لكتيبته”.

لكن الوضع المعيشي يختلف حاليًا عن الوضع في السنوات السابقة، بعدما كان المقاتلون يشاركون بأسلحتهم وتجهيزاتهم الفردية.

تقول والدة صالح عبدان، مقاتل في “جبهة النصرة” سابقًا، وقتل في معركة تحرير مطار “أبو الضهور”، في شباط 2014، إن سلاح ابنها وتجهيزاته كانت ملكًا شخصيًا له، وقد تعطلت بشكل كامل حين استهدفه صاروخ مع مجموعة من رفاقه.

مسؤوليات جمّة ونقص كبير

الكتائب باختلافها تواجه صعوبات في دعمها والمسؤوليات الملقاة على كاهلها، لكن نقص الذخائر والسلاح لا يقارن مع نقص المقاتلين، لا سيما أن كثيرين قتلوا في المعارك وآخرين هاجروا خارج البلاد، والبعض منهم انتسب إلى تنظيم “الدولة”.

جرحى المعارك أيضًا لهم نصيب من الرعاية التي تقع مسؤوليتها على الكتائب التي يقاتلون معها، فالكتيبة تتحمل مسؤولية العلاج بشكل كامل، سواء كان بمستشفيات خاصة تابعة لها أو بإرسالهم إلى تركيا على نفقتها، لكن لا بد أن يتحمل المقاتل الأضرار التي تلحق به إثر الإصابة، الكثير منهم يجد الموت أفضل حالًا من العاهات الدائمة التي قد تصيبه.

يعود المقاتلون إلى أُسرهم بين مؤيد لما فعلوه وبين لائم لهم، إلا أنهم في كلتا الحالتين، يحظون بفرحة النّصر ويصرّون على العودة إلى القتال والمعارك من جديد.

تابعنا على تويتر


Top