ترامب أكثرهم اعتدالاً!

مهند الحاج علي – المدن

بعيد اعتداءات 11 أيلول عام 2001، وصل ريتشارد أرميتاج مساعد وزيرة الخارجية الأميركية إلى إسلام أباد لإبلاغ قادتها بالقرار. أبلغ المسؤول الأميركي مدير الاستخبارات الباكستانية، الجهاز الأقوى في المنطقة، بأن أمام بلاده خيارين. إما التعاون غير المشروط، أو “استعد لأن تُقصف. استعد للعودة للعصر الحجري”. الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف تلقى النبأ سريعاً، واتخذ قراراً فورياً بالتعاون غير المشروط. كان ذلك استخداماً وقحاً وغير موارب للقوة الأميركية ولانعدام التوازن في مواجهتها.

تكتسب هذه الحادثة التي كشفها الرئيس الباكستاني بعد خمس سنوات على وقوعها، أهمية إضافية اليوم مع انتخاب المرشح الجمهوري دونالد ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة، وسط تخبط التحليلات حيال سياسته الشرق أوسطية.

بيد أن أمثال أرميتاج، من رجالات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن كسفيره الصقر في الأمم المتحدة جون بولتون، مرشحون للعودة إلى السلطة من بوابة ترامب. لكن هذه بوابة مختلفة عن سابقتها الجمهورية. فرغم تكرار أسماء بعض صقور المحافظين الجدد، مثل بولتون، يُسجل اختلافان على الأقل. أولاً، المحافظون الجدد أنفسهم تطوروا وحتى افترقوا باتجاهات مختلفة.

ثانياً، يبدو ترامب أقرب إلى مدرسة اليمين الأوروبي، المعارض للحروب والهجرة والقريب من الديكتاتوريات العربية، المتعاونة أمنياً. “حليفا” ترامب خلال حملته الانتخابية، زعيم حزب المملكة المتحدة المستقلة (يوكيب) نايجيل فاراج وحزب الحرية الهولندي غيرت ويلدرز يُعارضان الحروب والتدخلات خارج الحدود الوطنية، ويُركزان في خطابهما على رفض الهجرة وضرورة استعادة السيادة وحماية الهوية الثقافية من الخطر الاسلامي.

والواقع أن لهذا اليمين الأوروبي علاقات مع بعض الزعماء العرب، الحاليين والراحلين. للحزب الوطني البريطاني (يمين متطرف) علاقة قديمة مع نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. حزب الحرية النمساوي (يمين متطرف) الذي يتقدم مرشحه للرئاسة استطلاعات الانتخابات المقرر إجراؤها الشهر المقبل، طوّر عبر زعيمه الراحل يورغ هايدر علاقة مميزة مع نظام صدام حسين. حتى ترامب أبدى خلال حملته الانتخابية إعجابه بقدرة صدام على قتل الارهابيين.

لكن كيف يُبرر زعيم يميني متطرف يبني خطابه وشعبيته على كراهية الأجانب عموماً والمسلمين خصوصاً، اعجابه بديكتاتور عربي؟ لهؤلاء السياسيين، فإن أكبر عيوب الأحزاب والنخب الحاكمة في الغرب، يكمن في تجنب القول إن الإرهاب متجذر في النصوص والثقافة الإسلامية. عند هذا الاعتراف، يخرج المسلمون تلقائياً من الإطار الحقوقي المتعارف عليه عالمياً لبني البشر. يستحقون ديكتاتوراً يقتلهم باحتراف، ولا ينطبق عليهم القانون الدولي، سيما حظر التعذيب.

وترامب هنا افتتح موجة انتصارات لليمين المتشدد ستأتينا بنوربيرت هوفر رئيساً للنمسا الشهر المقبل، وبغيرت ويلدرز، صاحب الدعوة لحظر المساجد والقرآن، رئيساً للوزراء في آذار المقبل، وبعده ربما بمارين لوبن في فرنسا. حتى في ايطاليا، توالي حركة “خمس نجوم” اليمينية الشعبوية صعودها.

ليست الحروب في الشرق الأوسط مطروحة على بساط البحث هنا. بل قد نشهر حروباً وتدخلاً أقل خلال الفترة المقبلة. وعلى عكس منافسته الديموقراطية هيلاري كلينتون، يفتخر ترامب بمعارضته حرب العراق، وكذلك يفعل متطرفو اليمين الأوروبي.

يُخشى أن تكون لتصريحات مهينة وأفعال عدائية مصدرها أوروبا وربما الولايات المتحدة، يقودها ويلدرز وهوفر ولوبن وغيرهم، وترامب أكثرهم اعتدالاً، ما يؤدي الى إشعال التوتر مع العالمين العربي والاسلامي. هذا الجيل من السياسيين الأوروبيين اكتسب زخماً شعبياً إضافياً على وقع أزمة الرسوم الدنماركية قبل سنوات، وبعضه مثل ويلدرز وُلد سياسياً من رحم ردود الأفعال عليها.

في هذا السياق، يُفهم أكثر ارتياح “داعش” إلى انتصار ترامب وظهور “وجهها الحقيقي”، كما جاء في بعض تغريدات مؤيديها. هي شهور فقط، ونعود إلى زمن “الفسطاطين”.

تابعنا على تويتر


Top