عن سجون حزب الاتحاد الديمقراطي

شيروان شاهين

استبدال سجون الأنظمة التي تتقاسم كردستان بسجون كردية ليس تحرّرًا وبناء وطن، وإنّما هو عملية تكريد لأدوات الاستبداد، فالسجون هي السجون، مهما اختلفت عناوينها واللغة القامعة لنا.

تتطلب عملية التضامن الواسعة للبرلمانيين الكرد الذين اعتقلوا أخيرًا في تركيا، منّا تضامنًا كرديًا عامًا، وهي من أولويات المناضلين الكرد في مختلف الأجزاء، فالتهم التي استخدمها الادعاء التركي تدور حول تهم جاهزة تتعلّق بدعم الإرهاب، وما يدور في فلكها من تهم، الغاية منها إضعاف حزب الشعوب الديمقراطي، أحد ركائز قوى المعارضة السياسية في تركيا ضد حكومة العدالة والتنمية الحاكم، الذي يحاول فرض هيمنته على مؤسسات الدولة، وبإتمام عملية اعتقال قادة حزب الشعوب يمكن القول إنّ خريف الديمقراطية قد بدأ.

بموازاة ذلك، انقسم الشارع الكردي، وخصوصًا في غرب كردستان، إزاء عملية الاعتقالات بين متضامن مع المعتقلين الكرد ومتردّد، وبين من رفض التضامن، بحجة أنّ هناك معتقلين كرد في سجون الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني)، حليف حزب دميرتاش.

كلّ حركة كردية ملزمة بالتضامن مع شقيقتها الكردية في الجزء الآخر، إن تعرّضت لظلم واستبداد من النظام المحتل لذلك الجزء، لأنّ جوهر الدفاع عن القضية الكردية قائم على العدالة ومبادئ حقوق الإنسان، ففي الوقت الذي يعتقل الكرد من أجل الدفاع عن حقوقهم، هناك معتقلون كرد آخرون برزوا على المشهد السياسي الكردي، وهم في سجون الإخوة الكرد!

منذ أن استلم حزب الاتحاد الديمقراطي (19 تموز 2012) زمام المبادرة والسلطة في المناطق السورية الكردية، بدأ بفرض هيمنته وسلطته، فشرع ببناء السجون السرية، واعتقل معظم المعارضين له، وخطف قادة ميدانيين معارضين له إلى جانب نفي سياسيين كرد إلى كردستان العراق. وتحوّل هذا الحزب من حزب نضال من أجل حقوق الشعب إلى حزب سلطة، ما جعل معظم ناشطي الحركة الكردية في غرب كردستان ناقمين على سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي.

في وقت يخرج أنصار الحزب في مدن أوروبا وساحاتها، منادين بالحرية والديمقراطية لأجل المعتقلين الكرد في تركيا، ويجعلون من الشعارات الديمقراطية مطلبًا لحل القضية الكردية، يخفون حقيقة واقعية بأنّهم وحزبهم أول من يمارس القمع، ويغتال الاختلاف والديمقراطية كرديًا، ويتسترون على ممارسة سلطة حزبهم، وبأنّ هناك سجونًا كردية لديهم (تابعة لنظام حزب الاتحاد الديمقراطي) تبتلع كردًا آخرين، وتضطهدهم، والسبب فقط هو الاختلاف في أدوات النضال الكردي. هذه السجون لا تختلف في القمع عن سجون تلك الأنظمة، وبشهادة معظم الناجين منها، والذين سردوا عن وحشية في الاستجواب، وعن عمليات تعذيب، وكلّ ذلك يبرّره الحزب لنفسه كونه يخوض حاليًا حربًا مفتوحة ضد إرهابيي داعش.

الحركة الكردية في سوريا المتمثلة بقوى المجلس الوطني الكردي، والحركات الشبابية الموالية لها، تواجه ظلمين مزدوجين وتقود نضالين مزدوجين، في الوقت نفسه، مرّة مثل باقي الأحزاب الكردية التي تقود نضالها الخاص في مواجهة ذلك النظام، ومرّة في مواجهة الاستبداد الكردي المحلي المتمثل بسلطة حزب الاتحاد الديمقراطي، والذي ينخر الجسد الكردي داخليًا، ويهيمن على المشهد بأدوات استبدادية، تهدف، في النهاية، إلى إنهاء الإنسان الكردي الحر، وإيجاد نموذج مزرعة دكتاتورية، أشبه بحالات المجتمعات العربية التي مرّت بتجربة الحزب الواحد.

تخضع الحركة الكردية إلى جانب سلطة الاستبداد المفروض عليها لوصاية طويلة الأمد مفروضة عليها من قيادة إقليم جنوب كردستان (حزبي الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني) هذه الوصاية التي تتحكم بالقرار الكردي لأحزاب غرب كردستان، والتي تلزمها خوض حرب باردة بالوكالة ضد أطرافٍ أخرى على نقيضٍ من إقليم كردستان العراق.

أيّ عملية تحرّر للحركة الكردية في كردستان سوريا، وخصوصًا أحزاب المجلس الوطني، تتطلّب التحرّر من الاستبداد المحلي من جهة، ومن الوصاية الكردية من جهة أخرى، وغير ذلك سيبقى الناشطون الكرد تحت رحمة الآخرين، ومجرّد سجناء رأي هنا أو أحجار شطرنج هناك. وهذا ما يجب أن يعيه الناشطون الكرد في سوريا قبل غيرهم، لأنّهم المعنيون الأوائل بتحرير مناطقهم، وتطويرها ديمقراطيًا وإيجاد نموذج تسود فيه قيم العدالة والحرية.

تابعنا على تويتر


Top