صفحات قاتمة في التاريخ الإنساني

73.png

عنب بلدي – العدد 79 – الأحد 25-8-2013
حنان النقري
7
في السادس والعشرين من آب 2013 أضيف اسم جديد في قائمة المجازر البشعة في تاريخ الإنسانيّة، مجزرة داريّا.
لا شكّ أن قرب الإنسان من مكان المجزرة، وكونها في بلده على يد من كان يصفهم بـ «حماة الوطن»، ضد أهله وأقاربه وأصدقائه وجيرانه، سيجعلها المجزرة الأشنع في تاريخ البشريّة كلّها.. فما الأبشع من قتل أحباب لنا وإخوة؟
الخبر المؤسف هو أنه وعلى مرّ العصور، وعلى سطح البسيطة كلّها، ثمة من فجعوا بأحباب وأعزّاء، جعلتهم يفكّرون بطريقتنا، بأن المجزرة التي ذهبت بأهلهم هي الأقسى والأمرّ، والسفّاح الذي نفّذها هو الأكثر إجراما.. مما يعني، أننا تقاسمنا -إنسانيّا- هذا الهم طويلًا، وتجرعنا كأسه على مرّ التاريخ..
فما الذي يدفع الإنسان لقتل أخيه الإنسان؟ ولم يصرّ البعض على كتابة صفحات قاتمة في تاريخ البشريّة؟
بدأت قصة القتل الأولى مع قابيل وهابيل، وكان الدافع فيها الغيرة، الحسد، عندما تقبّل الله من أحدهما قربانه ولم يتقبّل من الآخر، وكوننا نعرف القاتل الأوّل فإن هذا لن يتيح لنا بمكان أن نعرف متى -وعند من- ستتوقف هذه الجينات الحاقدة عن التوارث في أحفاد قابيل.. هؤلاء الذين انتشروا في الأرض طولًا وعرضًا، وسطروا صفحات دامية بتاريخ البشريّة، لازالوا يذكرون بعار ما فيها حتى الآن..
من أبشع هذه المجازر مجزرة راوندا بأفريقيا.. في نيسان 1994 حيث قتلت فيها جماعة «هوتو» الأغلبية ما يزيد عن 800 ألف إنسان من جماعة «توتسيي» الأقلية، في قرابة مئة يوم من القتل المتواصل باستخدام المناجل والأسلحة البيضاء!
مجزرة حماة، في الثاني من شباط 1982، لعلّها من أشنع مجازر العصر الحديث التي لم يحاسب منفّذوها ولم يدانوا من قبل الرأي العام، إذ قامت عدة ألوية من قوات النظام السوري بالإضافة لسرايا الدفاع والقوات الخاصّة بقيادة السفّاح رفعت الأسد بتطويق مدينة حماة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها في حملة بربرية دامت مدة 27 يوم من الإعدامات الميدانية والمقابر الجماعيّة، مخلفة ما يقارب 40 ألف قتيل، مهجّرة أكثر من 100 ألف شخص.
مذبحة صبرا وشاتيلا، هي أيضا أحد المجازر التي خلد اسمها في التاريخ، وذلك عام 1982 في مخيمين للاجئين الفلسطينيين في لبنان على يد الجيش الاسرائيلي بقيادة أرييل شارون ورافئيل ايتان، 48 ساعة من الإغلاق التام لمنافذ المخيمين، مع إضاءتهما ليلا بقنابل مضيئة لاستمرار عملية الذبح والقتل، كان عدد الشهداء فيها قرابة الـ 4000 شهيد من الفلسطينيين العزّل.
مجزرة سربرينيتشا، في تمّوز 1997 تعتبر أكبر عملية إبادة جماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث قتل أكثر من 8000 مسلم بوسني «المعروفين بالبوشناق» في مدينة سربرينيتشا على يد قوات من الجيش الصربيّ تحت إمرة الجنرال راتكو ملاديتش والزعيم رادوفان كاراديتش، قامت القوات بعزل الذكور بين 14 و 50 عاماً عن النساء والشيوخ والأطفال، ثم تمت تصفية كل الذكور بين 14 و 50 عام ودفنهم في مقابر جماعية.
مجزرة داريا، في 26- آب- 2012.. حيث قامت قوّات الأسد بقصف مدينة داريا، ثم محاصرة مسجد أبي سليمان الداراني الذي لجأ إليه الأهالي من القصف، وقامت القوّات بتصفيتهم جميعًا، بلغ عدد الشهداء الموثّقين ما يزيد عن 700 شهيد في ساعات قليلة، قتلوا جميعهم بدم بارد من قبل نظام يبدو أنه اهتدى إلى المجازر سبيلًا لإسكات الشعب وإخماد ثورته، مجازر لم تكن بدايتها في ساحة الساعة بحمص، ولا يعتقد أن خاتمتها مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية منذ أيام!
الحسد، الغضب، الحقد، الانتقام، التعصّب العرقي أو الطائفي أو القومي، التسلّط والرغبة بتكميم الأفواه، الاحتلال، الاعتداء ﻷسباب كثيرة اقتصادية سياسية عسكرية شخصية، اختلال في الشخصية، العدوانية والساديّة، بعض من قائمة طويلة لا تنتهي من الأسباب، التي جعلت تاريخنا البشريّ يغص بالكثير والكثير من الصفحات الحمراء في كافّة العصور وكافة أرجاء العالم، ليس ذكرها من باب استعادة التاريخ، بقدر ما هو محاولة لنتذكر أن المصاب ليس «عربيًا» «سوريًا» «إسلاميًا» فقط، لكنّه «إنسانيّ» لعموم البشريّة، أي مجزرة في أي مكان من هذا العالم، إنّما هي مؤشر على خلل إنسانيّ يعنينا جميعًا بذات القدر..
أي دم يراق في أي مكان من الكرة الأرضية.. هو مجزرة بحق القيم الإنسانيّة جمعاء.. تلك التي قُتلتْ مرارًا، ولم يكتب اسمها مرّة واحدة في تاريخ المجازر!

تابعنا على تويتر


Top