أوامر الله، أم أفعال الخلق

83.png

عنب بلدي – العدد 79 – الأحد 25-8-2013
8
عتيق – حمص
«ضربو، وطبّوا .. مانك أكرم من ربو»!!
مثلٌ شعبيّ شاميّ مقيت، يقال لجزر من يشفق على أعمى، فيهرع لمساعدته. وليست بشاعة المثل في نهيه عن تقديم العون للآخرين، بل القبح الأعظم في نسب الضرر والشرّ إلى الله عزّ وجلّ، فضمير هذا المثل يقول: إن كان الله قد شاء أن يجعل هذا الرجل أعمى، وأن ينكّد عليه حياته، ويحرمه هذه النعمة، فلمَ تريد أن تكون أنت أكثر كرمًا من الله بمساعدتك إياه؟

تعود الفكرة في انتمائها إلى عقيدة ”الفعل الإلهي المباشر“، وهي فكرة صوفيّة قديمة موجودة في كل المذاهب الصوفيّة (الهندوسيّة، التصوف النصراني، التصوف الإسلامي الخ)، تقول بأنّ الله هو الذي يفعل على الحقيقة، ولا فاعل سواه أبدًا، وكل ما نشاهده حولنا، هو محض أشباح، أو تجليات، أو محلات تترجم بها إرادة الله، وبغض النظر عن ”الأدلة والشواهد“ القرآنيّة والنبويّة لهذه الفكرة، فهي قديمة قدم التصوف نفسه، ولا يعدم أي مذهب فكريّ من أن يجد ضالته دومًا في القرآن والسنة ليثبت أفكاره.
وبينما يظن بعض المشايخ والدعاة أنّ هذا المعتقد كمالٌ في التوحيد، ودرجة عالية من الإيمان، فإنهم لا يدرون كيف تستغل الفئة الحاكمة ومنظروها -من المشايخ والعوام- معتقدًا كهذا في تبرير تصرفاتها، ونتائج ظلمها واستبدادها، تحت مسمى بأنّ هذا ما أراده الله، ولا رادّ لقضائه.
فدومًا كان هناك من يبرّر الفقر والمرض بمبرّرات دينيّة، الله يريد هذا، لو شاء الله لجعلهم أغنياء. ويهدف هذا المنطق إلى أمرين، فإن كان يصدر عن الأغنياء، فهدفهم إبقاء الوضع على ما هو عليه، وأن لا يطالبهم أحد بتغييره، وإن كان يصدر ممن هم أقل منهم غنىً، فهم يريدون إراحة ضمائرهم، من تقصيرهم في مساعدة الفقراء على أخذ حقوقهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
لو يشاء الله لما جعلهم فقراء، لكنها إرادته… هكذا يقولون.
ومثل هذه الدعوة نجدها هنا أيضًا {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}
الإنسان المتنعم، صاحب المال والجاه، يقول بأن الله أكرمه ونعمّه بهذه النعم، إنّ الله يحبّه، إنّ الله قد رضي عنه، ثم إذا ما أفقر، أو قلّ رزقه، تجده يقول: لقد أهانني ربي.
فهل الفقر والغنى فعل إلهي مباشر، أراد الله لفلان أن يكون غنيًا (لأنّه يحبّه) فكان، وأراد لآخر أن يكون فقيرًا معتّرًا (لأنه يمقته) فكان! أمّ أن هناك أسبابًا أخرى حقيقيّة؟
تتابع الآيات { كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}
نعم، هذه هي الحقيقة التي يخشاها الأغنياء والأمراء، الغنى الفاحش، والفقر المدقع، هي نتائج بشريّة، لسلوكيّات لا يرضى عنها الله (أكل مال اليتيم، إهمال الفئات الضعيفة اجتماعيًا، السعي الحثيث وراء المال).
التفسير الآخر، الأكثر انتشارًا هو أنّ ما يمرّ بنا، من مصائب نتجت عن حربنا مع النظام، ما هي إلا عقابات ربانيّة، على تقصيرنا، وإساءتنا، فيما سبق من سنين، وها هو الله ينتقم منا، أو يؤدبنا، علنا نرجع إلى دينه. ولعمري إذا كانت المصائب والحروب وما ينتج عنهما من قتل وتهجير وغيرها، هي عقوبات ربانية، فما بال الأنبياء نالهم منها النصيب الأكبر.
خلق الله الإنسان، حرًا مختارًا، وعلى هذا يكون الحساب يوم القيامة، وقد يظن البعض أنه بمثل هذه المعتقدات يعيد الناس إلى التدين، والالتزام، لكنه حقيقة يقودهم إلى الكفر من حيث لا يشعر.
لا يرضى الله عن قتل الناس الأبرياء، وقصف بيوتهم، وذبح أطفالهم، مهما كانت أديانهم، إنما هي أفعال مستبديكم،

تابعنا على تويتر


Top