داريا… تآخي العنب والدم

9-1.png

عنب بلدي – العدد 79 – الأحد 25-8-2013
9-1
ثاني أيام عيد الفطر 22-8-2012:
قصف عنيف على المدينة، ورائحة الدم تملأ كل زواياها، من المنزل إلى الشارع إلى الحدائق والمدارس والمساجد والمشفى الميداني مرورًا بأقبية الأبنية، لتشهد داريا مجازر جماعية، وأيضًا مقابر جماعية سجلها التاريخ.
قتل جماعي:
يقول أحمد: «كنت وعائلتي في إحدى الشقق، نعاني انقطاع الكهرباء ووسائل الاتصال. عاد أحد جيراننا من استكشاف الحي خارجًا، ووصف انعدام الحياة ورائحة الجثث التي تملأ المكان. علمنا لاحقًا أن الجيش السوري والأمن دخلوا يستبيحون المدينة، فتحنا أبوابنا بانتظار دورنا، طال انتظارنا أو هكذا حسبناه لشدة خوفنا. أخذت الأصوات تتعالى في البناء فقد اقتحمت قوات الأمن المكان واقتادت كل من فيه إلى الشارع. انهالوا علينا بالضرب والشتائم، دون تمييز بين امرأة وشيخ وطفل. استمر الحال ساعاتٍ حتى ملّ العناصر ذلك، فأسندونا إلى جدار كبير، وأطلقوا النار على الجميع… قتل خمسون شخصًا في ثوانٍ معدودة. سقطتُ جريحًا في كتفي وفخذي محتميًا بجسد أبي الشهيد المرتمي فوقي، ثم غبت عن الوعي. استيقظت بعد حينٍ غيرك مدرك كم مرّ من الوقت، حاولت الهروب زاحفًا إلا أنني فقدت وعيي ثانيةً، وحين صحوت وجدت نفسي مضمد الجراح في أحد منازل المدينة، بعد أن أسعفني أحدهم».
وفي الجهة الأخرى من المدينة تقول أسماء: «نزلنا إلى القبو من شدة القصف، وبعد ساعات جاءت امرأة نعرف أنها «عواينية». أمضت معنا قرابة الساعة، ثم خرجت بحجة الوضوء ولم تعد. بعد أقل من ساعة وصل الأمن إلى القبو، وأخرجوا كل من فيه من الشباب بحجة التأكد من هويّاتهم، ونحن نتوسل إليهم أن يتركوهم. وكان بينهم نادر طه وأحمد وإبراهيم وبلال نمورة، وزياد حيدر، و25 آخرون. بدأت أصوات الصراخ تتعالى، ونحن نسمع غير قادرين على الوصول إليهم. بعد ساعتين تقريبًا هدأ القصف، إلا أن قناص شارع المعضمية كان يطلق رصاصاته بشكل هيستيري ما منعنا من الخروج لنستطلع الوضع. خرج أخي مخاطرًا بحياته ليجد جثة زياد حيدر، لكنه لم يستطع سحبها. انتظر الشباب عتمة الليل ليسحبوا الجثة، وحين خرجوا وجدوا الجميع قد أُردوا قتلى وشوّهت جثثهم، فقاموا بدفنهم قرب المنزل إذ لم يكن الوصول إلى المقبرة خيارًا، وتم نقل الجثث لاحقًا.
أما مزرعة عائلة طه فقد اقتحمها الأمن وألقوا فيها عبوة ناسفة، وبدؤوا بتصوير «الإرهابيين» الذين دخلوا ليفزعوا المدنيين الآمنين في منازلهم، هناك وجدنا جثث الأخوين عامر وعمار مرمية قرب جسد أخيهم المصاب، الذي ظنته عناصر الأمن ميتًا فتركوه. أما والدهم فقد كان يتوسل للأمن أن يقتلوه حرقة على أبناءه، وكادوا أن يفعلوا، لكنهم عدلوا عن ذلك قائلين «ما ح نقتلك خلي قلبك يضل محروق ع ولادك طول عمرك» واكتفوا بضربه.

المشفى الميداني:
تروي إحدى المسعفات: في المشفى الميداني حيث الوضع مأساوي بكل ما تعنيه الكلمة، يدخل رجل مسرعًا محاولًا إنقاذ طفليه، فيستشهد أحدهما في حضنه. نظرات الحيرة والألم لم تفارقه، أيبكي طفله الشهيد أم يواسي الجريح محمد، وهو يتمتم بحسرة: «بابا قلت لكم فوتو ع البيت ما سمعتو كلمة… شفتو شو صار». محمد يبكي حزنًا على أخيه وألمًا من جرحه الذي ظنناه سطحيًا، وما أن مزقنا بنطاله حتى تناثر لحم ساقه مفتتًا. وما أقساها من لحظة عندما رأى محمد ساقه المبتورة ممددة جانب جثة أخيه.
ضياء شاب من كفرسوسة جاء ليساند شباب داريا، بكيت حين شاهدت قدميه المبتورتين فإذا هو يواسيني قائلًا «الحمد لله أنو رجليّ سبقوني ع الجنة»؛ يومها طلب مني ألا أستخدم مخدرًا لجرحه لأوفره لجرحى آخرين. احتاج ضياء لعملية اصلاح بتر ولصعوبة تأمين غرفة عمليات أجلت العملية لليوم التالي، وبينما كان وضعه يزداد سوءًا، كانت قوى الأمن تقترب من المكان. «بكرا إذا وصلوا الأمن لهون أنتو بتحسنو تهربو.. أنتو بتطلعوا وبتتركوني»
هذا ما كان يردده ضياء ونحن نحاول طمأنته أننا لن نتركه وحيدًا. في اليوم التالي ومع اقتراب قوات الأمن اضطررنا لإخلاء المكان تحت القصف وتحت أعين قناصة النظام التي كانت تتصيد كل ما يتحرك. سارع عناصر الحر بنقلنا، وأخرجوا الممرضات والنساء أولًا، ثم عادت السيارة لتقل من تبقى من الجرحى وبينهم ضياء و5 من رفاقه، إلا أن شبيحة النظام كانوا قد وصلوا إلى المشفى ليقع ضياء ومن تبقى بأيديهم ولتحترق قلوبنا ألمًا على مصيرهم المجهول. بعد فترة شاهدنا فيديو مسربًا يظهر اقتحام المشفى، وكيف داس الشبيحة لحية ضياء مستهزئين به وبدينه، وزاوية أخرى حيث رقد مصاب فقد عينه، ووضع له مفجر صدر، انتزعته قوات الأمن ووضعوا فوهة الروسية مكانه وأطلقوا النار على جرحه شامتين بإصابته «وين عينك يا…أكلتها القطة».
أم دانة، دخلت المشفى باكية لتسعف ابنتيها، ولكن ليس من القدر مهرب؛ فقد ماتت الطفلتان أمام ناظريها وهي تبكي رافضةً تركهما، وعندما أتى «أبو صياح» لدفنهما، قبّلتهما بشدة وأوصته «أمانة يا أخي بتدير بالك عليهم…أمانة بتحملهم منيح…أمانة الله عليك بتنزلهم ع القبر ع مهلك…أمانة ما تخلي التراب يفوت بعيونهم…واقرأ لهم قرآن وأنت عم تنزلهم».

حنكة الحاجة ام خليل:
يروي خالد بأنه وبأحد المواجهات مع عصابات الأسد، حوصرت مجموعتان من الجيش الحر، وكانت لحظات حاسمة للتوصل إلى طريقة للانسحاب. أتى رياض العبار وأخبر أبا سعيد بأنه سيخرج ليشتت انتباه الأمن ريثما ينسحب البقية، وفعلًا خرج رياض برشاشه وفاجأ الأمن. استطاع الجيش الحر الانسحاب، وسقط رياض شهيدًا.
أما سامر فيقول: «داهم الأمن الحي الذي كنا فيه، فما كان أمامنا إلا أن ندخل أحد البيوت، استقبلتنا الحاجة أم خليل وأحسنت ضيافتنا، وعندما شعرت باقتراب قوى الأمن من منزلها، خرجت بسرعة تستقبلهم بالورود والقهوة المرة وبالدعاء لهم، وسألتهم عن الإرهابيين « لك خالتي إصحكم تخلوا الإرهابيين يفوتوا لعنا…والله ما لنا غير الله وأنتو تحمونا… أنا ختيارة وما بلقى دفشة منهم». أخذ عناصر الأمن بالضحك بينما قلوبنا تخفق ولا يفصلنا عنهم إلا جدار.

ويستمر القتل:
اقتاد الأمن رشدي خولاني من القبو بينما كان أولاده يتصلون به، تلقى الضابط الاتصال وأخبرهم أنه سيقتل والدهم؛ وسمع الأولاد صوت الرصاص يخترق جسد أبيهم. وكذلك مصطفى سعدية إذ داهم الأمن القبو الذي كان فيه مع عائلته واقتادوهم إلى شقة في البناء المقابل حيث قتلوهم وتركوا جثثهم ملقاة على الأرض.
أما أبو عمر خشفة فقد خرج إلى بستانه، فطالته رصاصة قناص استقرت في عينه، وأودت بحياته. وعادل حبيب، خرج من بيته ليحضر خبزًا لأطفاله، وما أن وصل إلى منطقة الشاميات قامت عناصر الأمن باقتياده إلى حيث أوقفوا أهل الحي على الجدار، وأطلقوا النار عليه وعليهم.
أيضًا بشار الذي يقطن في قدسيا، جاء وزوجته ميساء الحامل في شهرها الثامن، ليُخرج أمه من داريا. على الحاجز لم يصدق العناصر سبب قدومهما، فأعدموهما ميدانيًا. وصل خبر إلى أهل الزوجة بوجود حثث في مشفى المواساة، ذهبوا لتفقدها فوجدوا جثة بشار وعليها آثار تعذيب، وجثة ابنتهم وقد أصابت رصاصة قلبها و3 رصاصات بطنها.
ومرهف شهاب في ريعان صباه، اقتاده الأمن مع7 آخرين، واستمروا بتعذيبهم طوال الليل، وصوت الصراخ يملأ المكان، ثم قتلوهم في حمّام المنزل.
المجازر مستمرة حتى اليوم في داريا وفي غيرها، وصمود شباب داريا المخلصين مستمر، وكذلك تآخي العنب والدم.

تابعنا على تويتر


Top