سكة السلامة لمؤتمرات الندامة

حذام زهور عدي

يكثر الحديث عن تأليف مؤتمرات للمعارضة السياسية يعتقد من يقترحها أنها “ستجلب الديب من ديله” كما يُقال، والمستغرب أن جميع الأسماء المقترِحة والمقترَحة لهذه المؤتمرات تنفي علمها بها، وتقول إنها إشاعات غرضها جس النبض، أشاعتها أجهزة النظام أو ما في حُكمها من الأجهزة التي تملك القرار في سوريا المحتلة، لكن الوقائع تقول إن هناك حراكًا غير عادي في الأجواء السياسية السورية من الأطراف المعنية بها كلها، قد تكون أجواءً إقليمية راغبة بإنهاء المأساة السورية بما يخدم مصالحها، مظهرة حرصها على إيقاف نهر الدماء السورية، كالأجواء المصرية أو ما يشبهها، وقد تكون الأجواء الروسية التي تعمل على حلٍ يضمن مصالحها بإبقاء مندوبها السامي يحكم سوريا مع مساحيق مكياج تعتقد أنها كافية لإقناع معارضين بعد هذا الكم الهائل من التدمير والتهجير، وإذا كان مصطلح مؤتمر ينطبق على بعض ما يُنشر فإن الابتعاد عن المصطلح باسم لقاءات لا يُغير من الأمر شيئًا.

والحقيقة الواضحة أن بوتين اليوم يسعى جاهدًا للفوز بحلٍ يضمن فيه التمختر تحت أقواس النصر التي سيبنيها الشعب الروسي له، فهو القائد الوطني الذي أعاد لروسيا كل أمجاد الاتحاد السوفييتي المفقودة دون خسارة تُذكر، وبذلك تفرد كرئيس روسي منذ عقود بمثل هذا الانتصار، وهو يعلم جيدًا أن سياسة أوباما السابقة وشخصية بشار الأسد وأجهزته هما العاملان الأهم اللذان أعطياه هذا النصر، ولذلك لا يريد أن ينتظر تغيّر الأمور التي قد لا تكون لصالحه أو قد تكون، ولماذا يغامر إذا كان يستطيع أن يرتب الأمور الآن كما يريد، فعصفور باليد أفضل من عشرة على الشجرة كما يُقال. وترامب هذا الذي أظهر ودًا ومجاملة له قد يقلب المجن بعد أشهر، أليس هو صاحب شعار “أمريكا القوية” والحزب الجمهوري هو نفسه صاحب الحروب والمغامرات والعصا الغليظة. من جهة أخرى فقد تورط السيد بوتين بالتدمير السوري ما يُجيش الرأي العالمي ليس ضد سياساته فحسب ولكن قد يؤثر عليه داخليًا وتبدأ المعارضة الروسية بالمطالبة بكشف الحساب، وعندئذٍ ستنكشف ألاعيب إعلامه كلها ويفقد لقب البطل القومي الروسي الأوحد.

أجل إنها اللحظة المناسبة لبوتين لاستمزاج الآراء من أجل سَوق معارضين سياسيين للاشتراك بعمليةٍ تجعلهم كتلة وازنة لهيئة المفاوضات، وبذلك يتخلص من هيئة المفاوضات التي أتعبته هي ومن يدعمها، ثم يُعطي المجموعة الجديدة شرعية من خلال إعلامه ومواقفه الدولية الصلبة، ويناور للتوصل معهم إلى اتفاق ما، خارج المقررات السابقة للأمم المتحدة، اتفاقٍ يفرضه كأمر واقع ويُلقيه على طاولة مجلس الأمن للموافقة عليه بذريعة حقن الدماء وإنهاء المأساة السورية. وبالذريعة نفسها يوقع شركاؤه السوريون على ما يريد هو وأتباعه من النظام الأسدي.

لن يجادل السوريون في رغبتهم بإنهاء مأساتهم، فقد بلغ سيل الدماء الزبى وحبست الحناجر الأنفاس، لكنّ السؤال: ماذا يقدم بوتين والنظام لهذه المؤتمرات التي يريدون -كما يُشاع- أن يعقدوها في حضن حميميم الروسي (هذا في حال ترفعهم عن انعقادها في حضن الأسد)؟

إن كل ما يُقال إلى الآن لا يعدو تشكيلة الجبهة الوطنية التقدمية السابقة السيئة الصيت، مع ألاعيب كلامية لا تُنتج إلا بقاء الأسرة الأسدية حاكمة إلى الأبد، وقد يقول من يرى مثل تلك المؤتمرات بابًا للانفراج، علينا أن نكون واقعيين… فالثورة هُزمت والوضع الدولي ليس بصالحنا، والقرار لم يعد بيد السوريين، وليس لنا سوى أن نستسلم للأمر الواقع لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه.

ليس مهمًا عند السوريين من سيكون في مثل هذه المؤتمرات، فالأسماء لاتعنيهم، وليس مهمًا مكان انعقادها، في حضن العروبة القاهرة، أم في حضن روسيا موسكو أو حميميم، أو في حضن الاتحاد الأوربي أو… بالرغم من أهمية دلالة المكان على اللاعبين الكبار، لكن المهم هل تضمن تلك اللقاءات الاستقرار في سوريا وتُحررها من الاحتلالات؟ ومن يستطيع ضمان انتهاء الاحتراب والأسد مايزال ممسكًا بسلطته المطلقة؟ ومن يستطيع منع السوريين من مقاومة الاحتلال الإيراني والروسي؟ ودول التحالف الستين ماتزال بطيرانها وتقنيتها العسكرية الخارقة لم تستطع خلال سنة ونيف أن تنهي أمر داعش؟ وإذا كان السوريون ليسوا أصحاب قرار، وإذا كانت روسيا وإيران وأمريكا هم أصحاب القرار فما دور المؤتمرين في هذه المسرحية؟ هل هم الكومبارس الذي يردد لازمة الأغنية؟ أم أن أصواتهم لا تصلح حتى للكومبارس؟

في ظروف العنف الروسي، المنقطع النظير الممارس، على الشعب السوري، والسياسة الأمريكية غير المتبلورة، يبذل بوتين والولي الفقيه وواجهتهما النظام السوري أقصى وأقسى ما يستطيعون من الحرب النفسية والنارية والسياسية لانتهاز فرص الفوضى الدولية وتجيير نتائجها لإنهاء المقاومة السورية، وفي هذه الأجواء يلوحون بالمؤتمرات باسم إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومع أن الحقيقة هي نوع من الاستسلام وطريقة من طُرقه إلا أنها حتى لو كانت استسلامًا بالأعلام البيضاء فعلى من سيشارك بتلك المؤتمرات أن يعي أمرين: إنها لن تجلب أي نوع من الاستقرار، ليس لأنها تمعن في مظلومية الشعب السوري فقط، وإنما لأن أصحاب القرار الذين زينوا لبشار الحل العسكري والدمار يريدون إبقاء سوريا في صراع دائم، أما الأمر الثاني والمرتبط بالأول فهو واقع الاحتلالين الإيراني والروسي.

إن سكة السلامة لسوريا الوطن والشعب لا تمر بمحطات اليأس والإحباط والتعب واختصار المسألة ببضع وزراء يعرف السوريون جيدًا مدى صلاحياتهم،إنما تمر بكيفية بناء قوة تفرض احترامها على جميع اللاعبين وتعيد للصوت السوري جلجلته، تبدأ بجبهة عريضة للتحرير الوطني سياسيًا وعسكريًا وتنتهي بسورية الديمقراطية التعددية، سورية المواطنة والكرامة، فقط قليل من الصبر ونكران الشخصنة وسيكون الشعب السوري بخير.

إما هذا أو سكة الندامة التي لن يخرج السوريون منها إلا بعد عقود وربما بما يتجاوز القرن من أعمار الدول.

تابعنا على تويتر


Top