بين اقتتال الفصائل وغياب سلطة القانون

“التجييش الإعلامي” يخنق الغوطة.. رابطة الإعلاميين تعلّق أعمالها

syria61.jpg

من اجتماع الهيئة العامة لرابطة الاعلاميين 14 تشرين الثاني 2016 (عنب بلدي)

عنب بلديالغوطة الشرقية

لم يكن مصطلح “التجييش الإعلامي” منتشرًا في الغوطة الشرقية بريف دمشق، إلا أنه غدا جزءًا لا يتجزأ من عمل عددٍ لا بأس به من الإعلاميين وغير الإعلاميين، منذ اقتتال الفصائل فيها والذي بدأ نيسان الماضي، ما أثر بشكل سلبي على منحى الإعلام في الغوطة، ودعا إحدى أبرز مؤسساتها لتعليق أعمالها.

بعد قرابة عامين من العمل الذي وصفه أهالي الغوطة بـ “الإيجابي”، علّقت رابطة الإعلاميين في الغوطة الشرقية أعمالها، في ظل معوقات مختلفة عاشها الكادر الإداري.

واجتمعت الهيئة العامة بنصاب غير مكتمل، الاثنين 14 تشرين الثاني الجاري، وغلب النقاش والحوار على الجلسة، كما ينص النظام الداخلي، لتُرجأ إلى جلسة أخرى، الاثنين 21 من الشهر نفسه.

وللوقوف على أسباب تعليق عمل الرابطة والمعوقات التي عانت منها خلال الأشهر السبعة الماضية، وللإضاءة على آراء الإعلاميين الأعضاء فيها وغير الأعضاء، حول عملها وخطوة تعليق الأعمال، تحدثت عنب بلدي مع كوادر من الرابطة وناشطين إعلاميين، إضافة إلى ممثلين عن الفصائل.

لماذا علّقت الرابطة عملها؟

تأسست رابطة الإعلاميين في الغوطة الشرقية نهاية عام 2014، ونظّمت منذ بدء عملها العديد من الدورات الإعلامية، لتأهيل إعلاميي الغوطة، برعاية مكتب التدريب والتأهيل فيها، والذي تأسس في كانون الأول 2015.

وتضم الرابطة 230 عضوًا، إلا أن 157 منهم فقط يعتبرون من الأعضاء الفاعلين، ويتكون مجلس إدارتها من عشرة أعضاء بينهم الرئيس ونائبه وأمين السر، إضافة إلى الأعضاء مسؤولي مكاتب: المالية، والرقابة، والأنشطة، والتدريب والتأهيل، والعلاقات العامة، والمكتب القانوني.

لم يحضر اجتماع الهيئة العامة للرابطة سوى 60 شخصًا، من أصل الأعضاء الفاعلين. وما جعلها تتحول إلى نقاش وتؤجّل إلى وقت لاحق، هو ضرورة أن يحضر 80 عضوًا، وهو أقل عدد يمكن أن تعتبر فيه الجلسة كاملة النصاب، وفق عبد الرحمن بشير، عضو مجلس الإدارة في الرابطة.

وتحدث بشير عن أسباب تعليق عمل الرابطة، وقال إن أعضاءها عاشوا “الصدمة”، في ظل “التجييش” بين الإعلاميين في الفترة الأخيرة، في الوقت الذي كانت تعمل فيه على رفع سوية الإعلام، دون أي دعم أو تبعية لجهة معينة، مؤكدًا أنها تلقت انتقادات واتهامات من إعلاميي الفصائل وغير الإعلاميين، “وبالتالي لم نر حلًا فلا نستطيع فصل إعلامي فصيل ونترك الآخرين، ولم نعد تستطيع مواجهة الهجمة، في الوقت الذي يشارك أعضاء مؤثرون في التجييش”.

وردًا على وصف قرار تعليق الأعمال بـ “التهرب”، اعتبر بشير أن القرار غير صحيح قانونيًا، ولا يوجد في النظام الداخلي قرار بهذا الخصوص، “ما دعانا إلى الاجتهاد في ظل الوضع الراهن، فقبل عامين لم نكن متوقعين أن عمل بعض أعضاء الرابطة المؤثرين سيفشل الرابطة ويستخدمونها لمصلحتهم”.

رئيس مجلس الإدارة يستقيل

قبل نحو أسبوعين استقال رئيس مجلس الإدارة في الرابطة، هادي أبو ريان، بعد مشاكل متراكمة قيل إن سببها “التجييش الإعلامي”، المصطلح الذي لم يُحدّد تعريفٌ واضح له، لا من قبل أعضاء الرابطة ولا من الإعلاميين حتى اليوم.

وبينما وافق بعض الأعضاء هذه الخطوة، رفضها آخرون واعتبروها “هروبًا من المسؤولية”.

هادي أبو ريان، رئيس مجلس الإدارة المستقيل، عزا سبب الاستقالة إلى أنه لم يستطع التغيير في ظل فراغ بالنظام الداخلي، يمنع العمل من خلال أدوات أساسية يمنحها، مؤكدًا أن “غياب السلطة والقانون في الغوطة كان أحد أهم وأبرز الأسباب التي أوصلت الرابطة إلى ما هي عليه اليوم”.

“الحل في أن تعمل الرابطة بشكل منظم تحت ظل سلطة قانونية كالشرطة مثلًا”، وفق “أبو ريان”، الذي أكد أنه “لا يوجد أي بند في النظام الداخلي للرابطة، يُحدد شروط استقالة رئيس المجلس أو أعضاء مجلس الإدارة”، لافتًا إلى أن الرابطة “عانت ضغوطًا بشكل دائم، إلا أن أدوات الضبط غابت لأن أغلب المجيشين هم إعلاميون يتبعون للفصائل ضمن الرابطة”.

ويرى أبو ريان أن غياب التعريف الواضح لـ “التجييش”، والمعايير التي تحدده، إضافة إلى نقص الخبرة الإدارية والسياسية، “دعا إلى الاجتهاد بتعليق عمل الرابطة وهذا القرار يحتمل الخطأ، إلا أنه الحل الأقرب للصواب في ظل العجز بخصوص ما يجري في الغوطة”.

أداء الرابطة وقرار تعليق عملها في عيون إعلاميي الغوطة

لا خيارَ متاح أمام الرابطة سوى القرار الذي اتخذته، كما يقول القائمون عليها، إلا أن بعض الناشطين الإعلاميين تعمّقوا في التفاصيل وتحدثوا لعنب بلدي عن رأيهم بخصوص أداء الرابطة خلال الفترة الماضية، وقيّموا قرار تعليق عملها.

أيمن حجازي، ناشط إعلامي، اعتبر أن مصطلح “التجييش الإعلامي” تسمية خاطئة، “فبالنهاية قسم كبير من أفراد الرابطة، يتبعون بشكل أو بآخر إلى أحد الفصائل، وبالتالي يدافع كلٌ منهم عن الفصيل الذي ينتمي إليه، وتوجه الأطراف الاتهامات لبعضها على هذا الأساس”.

وافترض حجازي أن 60% من أعضاء الرابطة يتبعون للفصائل، “بهذا الشكل سيجعل تجميد عضوية وفصل أشخاص منهم، دور الرابطة ضعيفًا، وبالتالي فإن أعضاءها عالجوا الأمر بشكل خاطئ، إذ ليس لديهم معيار لكلمة التجييش”.

ورغم أن الرابطة تقدمت أكثر من خطوة إلى الأمام خلال عملها منذ تأسيسها، إلا أنها “تعاني شرخًا كبيرًا، وهذا ما دلل عليه عدم اكتمال النصاب في الاجتماع الأخير، وهنا نعتبر أنها عادت إلى الخلف عشرات الخطوات باتخاذها قرار تعليق الأعمال”.

الناشط الإعلامي فادي عبد الله، يرى أن قرار الرابطة “جاء في توقيت حرج تعيشه الغوطة وليس فقط الرابطة بشكل خاص”، معتبرًا أن استقالة رئيس مجلس إدارتها “هروب من الواقع في الوقت الذي يجب أن تكون فيه أكثر قوة وجرأة، على اعتبار أن مصلحة الغوطة هي الأساس، ولكن القائمين عليها تصرفوا بسلبية”.

جيش الإسلام“: حسابات وهمية.. “فيلق الرحمن“: لا تعليق

في خضمّ تلك الاتهامات، توجهت عنب بلدي بالحديث إلى حمزة الدمشقي، نائب رئيس “هيئة التوجيه المعنوي”، في فصيل “جيش الإسلام”، ووصف مشروع الرابطة بـ “المهم”، والذي تميزت به الغوطة الشرقية عن غيرها من المناطق المحررة.

ووفق الدمشقي فإن أهم إنجازات الرابطة تمثل بـ “ميثاق الشرف الإعلامي”، والذي ينص أحد بنوده على أن “الافتراء والتدليس أو الطعن والاتهام، خطوط حمراء وتجاوزها أمر خطير، وهذه الأمور الأربعة هي أساس التجييش”، والذي كان أحد أسباب المشاكل التي حصلت في الغوطة الشرقية، وفق رؤيته.

ورغم أن الرابطة بذلت ما بوسعها للحد من هذه التجاوزات الصادرة عن الإعلاميين، كما قال الدمشقي، إلا أن “المجال الواسع والمتاح في وسائل التواصل الاجتماعي، والتخفي خلف حسابات وهمية، إضافة إلى ضعف الوسائل المتاحة للرابطة كي تتابع مثل هذه الحسابات، وتقسيم القضاء إلى قضاءين، صعّب عملية إحالة المخالف لجهة قضائية”.

ويرى رئيس هيئة “التوجيه” في “جيش الإسلام” أن الاستقطاب الكبير الذي حصل بين الفصائل وغيرها من الأسباب، أدى إلى الحد من قدرة الرابطة على إيقاف “التجييش” بشكل كامل، مؤكدًا أن “هناك حسابات وهمية ربما يديرها بعض الإعلاميين في الغوطة أو خارجها ممن يتبعون للنظام ويسعون لزيادة الشرخ في الغوطة، تعمل وتنشر الفتنة وتذكي نارها، ولا يمكن للرابطة بصلاحياتها الحالية إيقاف عمل هذه الحسابات”، كما دعا إلى ضرورة أن يبحث المكتب القانوني ومكتب الرقابة في الرابطة عن الوسائل لضبط أصحاب الحسابات ومحاسبة القائمين عليها.

وللتعليق على القضية من قبل “فيلق الرحمن”، حاولت عنب بلدي التواصل أكثر من مرة، مع المتحدث الرسمي باسم الفصيل، وائل علوان، كونه أحد مؤسسي الرابطة في بداياتها، ومسؤول المكتب المالي في أول إدارة لها، إلا أنها لم تلقَ ردًا حتى يوم نشر التقرير.

وينتظر أهالي وإعلاميو الغوطة تفاهمًا قريبًا بين الفصائل، معتبرين أنه سيجلب الأمان إلى الغوطة، وربما يفك الجمود الذي تعيشه رابطة الإعلاميين، ويُسهّل عملها كما كان الأمر عليه قبل الاقتتال.

تابعنا على تويتر


Top