هل هم حقاً إخوة سلاح؟

ميشيل كيلو – العربي الجديد

يصف اللسان السائد من يقاتلون معاً ضد طرف معادٍ بأنهم “إخوة السلاح”، لأن الإخوة يمتنعون عن مقاتلة وقتل بعضهم، ولأن اقتتالهم يرجح كفة أعدائهم عليهم، ويفضي، في النهاية، إلى هزيمتهم، ويعتبر مساعدةً لهؤلاء، ولأن في هذا الحماقة كل الحماقة والإجرام كل الإجرام.

ليس من يقتتلون، والعدو متربصٌ بهم من جميع الجهات، وبجميع أنواع الأسلحة، إخوة، بل هم، بكل صراحة، أعداء. لو كانوا إخوةً لما اقتتلوا، حتى إن لم يكن هناك عدو يفيد من اقتتالهم. ولو كانوا إخوةً لفعلوا ما تفعله في العادة “هوايش” يتربّص بها مفترس، فهي تتحامى ببعضها، وتركض إحداها قرب الأخرى، وغالبا ما تدافع عن الفريسة التي ينجح المفترس في التقاطها أو الانفراد بها. كما أن وحيد الخلية، الأميب الذي هو أدنى الكائنات الحية تطوراً، يتكيف مع تبدل شروط عيشه، ويبدل أوضاعه بما يحفظ حياته. لكن “إخوة السلاح” في الغوطة الشرقية وحلب لم يصلوا بعد إلى مستوى الهوايش ووحيد الخلية، على الرغم من تبدل شروط قتالهم ضد النظام الذي نجح، بفضلهم، في استعادة 55% من الغوطة دونما قتال تقريباً، بما في ذلك سورها الزراعي الذي كان يكفل لسكانها شيئاً من الغذاء، واستغل ما أنزلوه ببعضهم من خسائر فادحة في الرجال والسلاح، وما أحدثته مصادرات الأسلحة المتبادلة من تغير جدّي في أوضاعهم الميدانية، وأجّجته من خلافاتٍ وأحقاد بينهم، بدلت الموازين السائدة، وأغلقت باب المعارك ضده، وفتحت أبوابها الداخلية بينهم التي لم، ويبدو أنه لن ينجح، أي شخص أو طرف، في إغلاقها، وسط تزايد الهجمات والكمائن وقطع الطرقات وسقوط الضحايا البريئة، حتى صار من الصعب الحديث عن خلافٍ بين ثوارٍ ينتمون إلى قضيةٍ واحدة، وبدأ الهمس يتعالى حول خطةٍ لتسليم الغوطة الشرقية للنظام، تتستر بترهاتٍ فقهية وكلامية وتفسيرية متبادلة، يغطون بواسطتها القتل المتبادل، ويجعلونه طقساً دينياً مقدساً، وليس جرماً ينتج الخراب وانتحاراً.

هل هناك، في أي معيار أخوي، أي مسوغ للاقتتال في حلب والغوطة الشرقية وإعزاز؟ وهل هناك مبرّر أخلاقي أو سياسي أو وطني أو ديني أو إنساني للاقتتال؟ إذا لم يكن هناك مبرّر كهذا، لماذا وقع؟ هل وقع بسبب خلافات فقهية، أم لاعتباراتٍ جهادية، أم إنه صراع بين الحق الذي يدعيه كل طرف لنفسه والباطل الذي ينسبه لسواه؟ إذا كان فقهياً وجهادياً، لماذا لا يقتصر على الحوارات والنقاشات والمناظرات والخطابات، ويقتصر “الحوار” فيه على السلاح وحده؟ وإذا كان صراعاً بين الحق والباطل، يصير السؤال: هل يستطيع حق هزيمة الباطل، إذا كان انتصاره يفضي إلى ما يفضي إليه الباطل: هدم البيت الوطني على رأس شعبنا؟ وما معنى هذا الحق المزعوم الذي ينتج مثل هذا الباطل، ولا يختلف عنه؟

ليس هناك أي مسوغ لما يجري في الغوطة الشرقية وحلب، غير أن يكون مستوى المتصارعين تحت مستوى السياسة والوطن والدين والإنسانية الهوايش والأميب. في هذه الحال، أنصحهم أن يراقبوا قطيع أبقار يتربّص به مفترس، وكيف يتجمع ويتحامي ببعضه، ويدافع عن أي ثور أو بقرة يستهدفها الخطر.

يا “إخوة السلاح”، هناك شيء اسمه التناقض مع العدو، وهو عداء لا يحلّ بغير هزيمة أحد طرفيه وشطبه. وهناك تناقض في الصف الصديق، لا يحلّ إلا بالخلاف: بالحوار الودي والنيات الطيبة والشراكة الراسخة ووحدة المصير، وبالامتناع المطلق عن الاقتتال واللجوء إلى السلاح، لأن اللجوء إليه يمكّن العدو من تسوية تناقضه العدائي معنا، بهزيمتنا وشطبنا، كما يحدث، منذ أشهر في الغوطة، وسيحدث من الآن فصاعدا في حلب. هل هذا ما تريدونه؟ ألا تعون أنه النتيجة الوحيدة الممكنة التي ستترتب على أفاعيلكم، وأن نهايته ستكون هزيمة الثورة، ونهايتكم كتنظيمات وأشخاص، تحت دواليب الباصات الخضراء، هذه المرة، وليس داخلها؟

تابعنا على تويتر


Top