الأوليغارشية

عنب بلدي – العدد 80 – الأحد 1-9-2013

تعرّف الأوليغارشيّة أو ما يسمّى بحكم القلّة، بأنّها أحد أشكال الحكم الّذي تكون السّلطة السّياسيّة فيه مقتصرة على فئة اجتماعيّة صغيرة، تتميّز إمّا بثرائها أو نَسبها أو سلطتها العسكريّة، وتعتبر من أنظمة الحكم الّتي لا تحترم القانون.
كان أرسطو قد أورد المصطلح كمرادف للبلوتوقراطية (حكم الأثرياء)، إلّا أنّ الأوليغارشيّة لا تعني بالضرورة حكم القلّة الثّريّة.
وهي تشير في العصر الحديث إلى الحكومات الّتي لا تملك الأرضيّة الجماهيريّة، فتلجأ إلى الاعتماد على دوائر التّأثير في السّلطة كأصحاب رؤوس الأموال أو الصناعيّين، أو تعتمد على نفوذ أجنبيّ.
والأوليغارشيّة ثقافة تمتدّ لتشمل الأحزاب والطّوائف والعرقيّات والإثنيّات والمذاهب والأديان والقوميّات، فهذه الأنظمة تتقوّى بالميليشيات السّياسيّة وبالمجموعات العسكريّة، وتستعين بمرتزقة يبيعون ولاءهم لقاء المال وسلطة السّلاح، ممّا يعزّز كيانها كحكومات قمعيّة دكتاتوريّة لا وجود في ظلّها للدّيمقراطيّة.
وعليه فالدّولة الأوليغارشيّة هي الّتي يخضع القرار السّياسيّ فيها لسيطرة طّبقة تشكّل جزءًا صغيرًا من سكّانها، يجعلون كلّ مقدراتها وآليّات العمل فيها تسير بما يتناسب مع مصالحهم وأهدافهم، ويمكن القول بأنّ أنظمة هذه الدول تختصر في عائلات نافذة معدودة تتوارث النّفوذ والقوّة.

وبهذا المفهوم، فإنّ الثّقافة الأوليغارشيّة هي ثقافة فوقيّة، تقوم على تنحية الهويّات الجوهريّة لمجموعات من النّاس، وإعلاء هويّات أخرى للقيام بوظيفة واحدة، تتمثّل في خدمة الفئة الأوليغارشية الصّغيرة.
وحتى تضمن السّلطة الأوليغارشيّة استمرار وجودها، فإنّها تعنى بالتّشويه المستمرّ للهويّات واختزال بعضها وتنمية بعضها الآخر، بما يخدم أكبر قدر ممكن من التّصادم التّحتيّ في المجتمع، بعيدًا عن السّلطة الفوقيّة، فتنشأ الصّراعات الطّائفيّة كما كانت عليه الحال في مصر بين المسلمين والأقباط، وكما هي الحال بين السّنّة والشّيعة في لبنان. وهي في رفعها لهويّة وخفضها لأخرى، تتفرّغ لنهب ثروات هذه الجماعات المخدوعة، ولا تقف عند إذكاء صراع الهويّة المولّد للعنف بين الجماعات، إذ تعي أنّ الهوية الجوهريّة والفاعلة في الجماعات قد تستيقظ في أيّة لحظة، فيدفعها هذا الوعي إلى تكوين دوائر حماية تتوسّع كلّما ابتعدت عن المركز، وتتشكّل كُبْرياتها من الطّبقة الوسطى وبعض المنتفعين من استقرار السّلطة نفسها. بمعنى أنّ الأوليغارشية تعمل على خلق حالة من الإجماع الوطنيّ الّذي يمنح حكمها شرعيّة البقاء.
إلا أنّ للأوليغارشيّة رؤية قاصرة لسيرورة التّاريخ، تتجلّى في عدم إدراكها لديناميّة التّفاعل الاجتماعيّ، والحراك الداخليّ العميق، وإن كان بطيئاً في أحيان كثيرة.
ضيق الرّؤية هذا ينتج، ولفترات قد تكون محدّدة، ثقافة العنف بين الجماعات، إلّا أن الهويّات الجوهريّة سرعان ما تبدأ العمل، وتعيد المجموعات البشريّة إلى مواقعها، ليتحوّل العنف الاجتماعيّ بين الجماعات والأفراد، إلى عنف أشدّ ضدّ السلطة الأوليغارشيّة، الّتي تواصل خلال سيطرتها اقتراف الأخطاء، وتتراكم هذه الأخيرة لتصبح في النّهاية قضيّة تستحقّ أن تكون نقطة انعطاف وعودة إلى الهويّة الحقيقيّة.

تابعنا على تويتر


Top