ثقافة تسجيل المواقف

6.png

عنب بلدي – العدد 80 – الأحد 1-9-2013

6عتيق – حمص
انتقدنا لسنوات طويلة ثقافة تسجيل المواقف المتعبة من أنظمتنا العربيّة تجاه الأحداث التي كانت تمرّ بها المنطقة، وعلى مختلف المستويات والأصعدة، كالاعتداءات الإسرائيليّة على الفلسطينيين والتوسعات الاستيطانيّة السرطانيّة، الغزو الأمريكيّ للعراق، انتهاكات السيادة المتكررة، إلى عشرات المواقف المختلفة.
إذ كانت (ولا تزال) أنظمتنا تكتفي «بتسجيل» موقفها من هذه الأحداث، عبر قاموس الكلمات الذي بات مدعاةً للسخريّة والاستهزاء: نستنكر، ندين، نرفض وبشدّة، نستهجن، نحمّل المسؤوليّة، نجدّد موقفنا الرافض، نذكّر…
وليست المشكلة في تسجيل الموقف بالتأكيد، لكن المشكلة اكتفائنا بهذا التسجيل، حتى تحولنا إلى «ظاهرة صوتيّة» على حدّ تعبير المؤلف عبد الله القصيمي.
انتقدنا أنظمتنا العربيّة إذًا لديدنها هذا في التعامل مع الأحداث، ولكن يبدو أنه ما إن أتيحت لنا ظروفٌ مشابهة، حتى بتنا نتبع الطريقة التي كنا ننتقدها بشدّة ونستهزئ من أصحابها.
والظروف المشابهة هنا تتجلى بشبكات التواصل الاجتماعيّ، التي أعطت لكلّ شخصٍ منا منبرًا مفتوحًا يقول به ما يريد، أمام مئات المتابعين، بل وآلافهم أحيانًا، تجاه ما تمرّ به بلادنا خاصّة والمنطقة عامة.
وهذا ربّما يضعنا مجددًا أمام التساؤل القديم، أنّه إلى أي حد يمكننا أن ننتقد الآخرين وأن نلومهم فضلًا عن أن نعنفهم ونحاسبهم إذا ما ارتكبوا شيئًا نعدّه محظورًا، ونحن لم نخبر الظروف التي ساقتهم إلى ما ساقتهم إليه، إذ ربما لو خبرناها لتصرفنا بما تصرفوا به!
تضعنا الشبكات الاجتماعيّة بسياقٍ يشعرنا بوجوب أن نسجّل موقفنا ونعلّق برأينا على ما يجري في المنطقة، المحليّة (سوريا)، أو العربيّة، أو حتى العالميّة، ويمكننا أن نتأمّل قليلًا لنلاحظ أنه ما إن يجري حدثٌ ما، حتى تبدأ التعليقات تنهال من جميع المستخدمين، لتصبح صفحاتنا أشبه بناطق باسم الشعب، أو الدين، أو الوطن، وأحيانًا متحدثًا كوزارة خارجيّة.
لا يمكن للحدث أن يمرّ دون تعليق، هناك إلحاح اجتماعيّ وضغط نفسيّ يدفعك كي تصرّح برأيك، وتسجّل موقفك.

ليست المشكلة – بالتأكيد – في أن يكون لك رأيٌّ ما تجاه هذا الحدث أو ذاك، أو موقفٌ ممّا يجري، بل هي الحالة الطبيعيّة والصحيّة، لكن غير الصحيّ هو هذا الشعور بضرورة تسجيل الموقف «لحظة» الحدث، فما إن تقع مجزرة ما، أو عملية عسكريّة ما، أو نسمع تصريحًا معينا، حتى تبدأ على الفور، الردود الشعبيّة تتوافد إلى صفحات التواصل الاجتماعي.
وعندما نرى الجميع يعلقون على الحدث ويسجلون مواقفهم، نشعر بضرورة نفسيّة تدفعنا إلى تبنيّ رأيّ ما بشكل فوريّ، والتعبير عنه.
لقد فقدنا أي هامش للتفكير، وتقليب الأمور على أوجهها المختلفة، وخسرنا فرصة الخروج برأي ذو قيمة فعلًا، على حساب السرعة والفوريّة في التعليق.
هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، لم تعد معظم تعليقاتنا و»تصريحاتنا لمتابعينا» على وسائل الإعلام البديلة، تخرج عن القاموس الذي كنا ننتقده، أقصد الاستنكار، الاستهجان، الرفض، التنديد، الشتم، التهديد، الوعيد، (ويمكن أن نضيف أحيانًا الابتهالات الدينيّة) ويختم التصريح بضرورة التمسك بالعودة إلى ثوابتنا الدينيّة / الوطنيّة، تبعًا لانتماء المتحدّث.
علاوةً على «الفوريّة، والاستعجال» في التعليق، وقاموس «تسجيل المواقف»، هناك «الاكتفاء» بذلك، أو على الأقل إعطاء التعليق أهمية أكثر ممّا يستحق. ولا نتحدّث هنا عن ضرورة أن نتصرّف «شيئًا» حيال ما يحدث، فثقافة ردود الأفعال لا تقل سلبية عما ننتقده اليوم، بل المقصد أن يكون لدينا من الأفعال والأعمال ما يملئ وقتنا عن أن ننجر في كلّ مرة إلى حفلة التصريحات الفوريّة والتعليقات المستنكرة، وتسجيلات المواقف.. أن نملك خطّة عمل خاصّة بنا، نساعد بها في تخفيف معاناة الإنسان، أو بناء حياةٍ جديدة له، تجعلنا نشعر بعدم أهمية التعليق الفوريّ، وتخرجنا من ثقافة تسجيل المواقف التي لطالما كنا ضدّها!

تابعنا على تويتر


Top