ثورة على العولمة

أحمد الشامي

من يتابع الكوارث الانتخابية في الغرب هذه اﻷيام يلاحظ أن الحضارة الغربية المعولمة تبدو آيلة إلى اﻷفول.

الثقافة التي ابتدأت مع عصر “اﻷنوار” وأنتجت اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان وميثاق اﻷمم المتحدة ودساتير تعد من أرقى ما أنتجته البشرية، تبدو سائرة إلى حتفها على يد قادة شعبويين محدودي اﻷفق يتميزون باﻷنانية وبدرجة عالية من انعدام اﻷخلاق والشعور اﻹنساني.

صحيح أن هناك بعض الاستثناءات، لكن اللامبالاة السائدة تجاه الهولوكوست السني تبدو أحد أعراض هذا الانحطاط اﻷخلاقي، الذي يتجاوز المسألة السورية ليصبح سمة عامة للحضارة الغربية بشكل خاص، وللعولمة عمومًا.

تجاه المجزرة التي تحصل في “الشام”، نستطيع القول إن اﻹنسانية قد وصلت إلى درجة من اللاأخلاقية لم نشهدها منذ غزوات البرابرة. المحرقة اليهودية كانت حتى وقوع المحرقة السورية هي أقصى جرائم إبادة الجنس البشري، مع ذلك، فالمحرقة اليهودية وقعت على يد نظام نازي كان غارقًا في حرب عالمية أهلكت ملايين البشر، وكان من الصعب إنقاذ اليهود والغجر دون إسقاط النظام الهتلري. أما في سوريا، فمرتكب الجريمة هو “أزعر” محلي كان من الممكن إخراسه بصلية صواريخ.

نستطيع أن نعتبر أن صفقة الكيماوي التي لم تر لها البشرية نظيرًا كانت المؤذن بانتهاء العصر الذهبي للحضارة الغربية. ما يميز الحضارة ليس فقط القوة بل الثقافة والبعد اﻷخلاقي واﻹنساني الشامل الذي يسمح برؤية القاسم المشترك بين البشر. هكذا نستطيع أن نقول إن التاريخ شهد حضارة إغريقية، إسلامية ثم غربية. بالمقابل، المغول والبرابرة اجتاحوا مناطق أوسع من المسلمين واﻹغريق، لكنهم لم يتركوا لاثقافة ولاحضارة، مجرد شلالات من الدماء تشهد على بهيميتهم.

ابتعاد الحضارة الغربية عن قيمها لم يبدأ مع صفقة الكيماوي، بل قبل ذلك، وما يحصل اليوم هو النتيجة المنطقية للغرور الغربي والأنانية التي قد تودي بالحضارة الغربية إلى التهلكة.

بدأ اﻷمر بقرار الرئيس الأمريكي “ريشارد نيكسون” سحب الغطاء الذهبي عن الدولار اﻷمريكي وإطلاق العنان لقوى السوق. كان من الممكن أن يكون هذا القرار فاتحة عهد لاقتصاد متحرر من قيود الذهب، دون أن يكون بالضرورة منفلت العقال.

“العم سام” فرض على البشرية اعتبار الورقة الخضراء كقيمة بحد ذاتها، مستندًا إلى القوة العسكرية والاقتصادية اﻷمريكية ووضع أسس العولمة وسيادة اقتصاد السوق، التي ترسخت مع “ريغن” والمحافظين الجدد. هذه السياسة كانت لها آثار إيجابية على أغلب دول العالم التي استفادت من العولمة، وهكذا نهضت اقتصادات النمور الآسيوية، وخاصة الصين، التي أصبح اقتصادها أكبر الاقتصادات في العالم.

من الممكن تلخيص سياسة المحافظين الجدد بكلمة واحدة: “اﻷنانية”، حيث يعتبر هؤلاء أن قيم المساواة والعدالة الاجتماعية هي قيود على التطور البشري، وأن أساس الاقتصاد هو المصلحة الفردية. بعدها تفاهم أساطين الاقتصاد العالمي مع “المافيات” التي تشكلت في جمهوريات الاتحاد السوفييتي وتم تفكيك الاتحاد السوفياتي وبيعه “بالمفرق” للصوص “الكرملين” الذين مازالوا يحكمون في موسكو.

أنانية رأسماليي الغرب على الخصوص جعلتهم يعتبرون أن وطنهم وجنسيتهم يتلخصان في حساباتهم المصرفية، وهكذا تشكلت نخبة معولمة ليست لها ارتباطات وطنية. هذه النخبة الرأسمالية المتوحشة “تزاوجت” مع النخب السياسية واﻹعلامية في كل بلد من بلاد العالم وطبقت حرفيًا نصيحة المحافظين الجدد “أنا ومن بعدي الطوفان” وليذهب الفقراء والضعفاء إلى الجحيم.

المشكلة أن العولمة التي نقلت المصانع والاستثمارات إلى الدول النامية تركت وراءها مصانع وعمالًا لا يجدون مايقتاتون به في الغرب.

هذه الفئة البيضاء، المحافظة والمنبوذة والتي تزداد فقرًا يوما بعد يوم هي التي أنجبت “ترامب” وستنجب أمثاله.

تابعنا على تويتر


Top