أمم الشعب السوري الواحد

حذام زهور عدي

في التراث الماركسي اللينيني كان يُقال عن الشعب الذي ينقسم طبقيًا: هم أمتان، والمقصود أن الاختلاف بين طبقة الموسرين (الرأسمالية والبورجوازية الكبيرة)، وبين طبقة العمال والفلاحين الكادحين، يُشبه الاختلاف بين أمة وأمة من نواحٍ متعددة، أهمها: الدخل المالي ونوع العمل الذي يؤثر على أبناء الطبقة، ثقافةً وانتماءً وسلوكًا ومواقف حياتية، وأحيانًا طريقة لغوية معينة، وليس آخرًا الصحةً، وبما أن الطبقة الموسرة هي الأقل عددًا، عكس الكادحين المساكين، فإن الكراهية تنشب أظفارها بينهما وبخاصة عندما يشتد طغيان الأولى على الثانية، ويبدأ المثقفون من أبناء البورجوازية الصغيرة ينشرون الأفكار الثورية التي تتلقفها الطبقة الأكبر وتتجاوب معها، لتستطيع من خلالها تغيير واقعها البائس وتحصيل العدالة الاجتماعية المقبولة عندها.

في سوريا لم يحدث شيء من هذا، ليس لأن العصر لم يعد يعتمد على الزند الإنساني، ولا لأن تلك المصطلحات تراجعت عالميًا بسبب تغير كثير من الظروف، وأهمها الفشل الإنساني للدولة حاملة تلك الأفكار والشعارات، بل لأن النظام الأسدي خلط الحابل بالنابل، وأدخل الشعب في شبكة من المحددات جعلته أممًا بدل أن يكون أمة واحدة، وفق شعار حزب البعث، ذلك الشعارالذي يرددونه صباح مساء ويخطَونه على الجدران الخارجية والداخلية، في المدارس والجامعات ومؤسسات الدولة جميعها، ويُحرجون المؤسسات الخاصة بكتابتها أيضًا بإعلانات واضحة.

إنهم يميزون بين الناس من خلال معايير الولاء والمعارضة، والمنتمي للأجهزة الأمنية الشعبية والرسمية، ومن قد يكون من هذه الطائفة أو تلك، إمعانًا في تقسيم الشعب.

أما شعارات الاشتراكية ومصطلحاتها، كما جاءت في التراث الماركسي (أعداؤنا: الإمبريالية و…)، فيستمر الطلبة من الحضانة حتى الجامعة يرددونها، حتى كبرت الأجيال وهي إما أن تطابق لغويًا بين ما تعيشه، فتفهم أن الاشتراكية هي تلك الخلطة التي تُفقر الشعب وتُشرذمه، أو أن تبتعد اللغة عن الواقع في فصام كلي بين المفردة ومدلولها، بدءًا بشعار أمة عربية واحدة، وبتوصيف الحكم والدولة على أنها الجمهورية العربية السورية، وصولًا إلى الممانعة والمقاومة. فشعار وحدة الأمة قابله تمزيق المجتمع وإلغاء أي شكل متماسك فيه سواء كان شكلًا طبقيًا أو وطنيًا أو هوية قومية.. ووصفة الجمهورية استبدلت بالبيعة، وإلى الأبد، وتوريث الرئاسة، والتحضير لنوع فريد من الجمهورية الوراثية ذات الحكم المطلق.. والجمهورية العربية السورية، أصبحت سوريا الأسد.. حضن الوطن أصبح حضن بشار.. سقف الوطن هو سقف آل الأسد.. المدن تحولت إلى ريف.

هكذا بدأ وعي جمهور الناس يعاني -كما أراد له النظام الأسدي- فصامًا عن واقعٍ غريب عنه، هرب منه إما إلى ماضٍ عاش فيه بمجتمعٍ له عاداته وتقاليده وحياته المختلفة، وأغلق الباب على نفسه خوفًا من تلك الهرطقة التي فُرضت عليه، أو أعاد من رفض الماضي إلى الغيتو الذي كان فيه، وهكذا تحولت الأمة إلى أمم، والشعب إلى شعوب.

جاءت الثورة بعد أن سمع الشعب أصواتها حولهم عاليًا، وبعد أن فاض بالناس الإحساس بالظلم والذل والفساد، وتشويه تاريخهم الماضي والحاضر، وهتفوا للحرية والعدالة والتغيير، لكنَ مِثْقب الأسد عاجل بتفتيت ما تبقى من تماسك اجتماعي. كان الأب قد جهزه من عقود وسنين ليعمل بأقصى قوته، مضافًا إليها قوى شياطين الأرض كلها المتحالفة معه، ليجعل الأمة أممًا ويُعطي أقسامًا منها لمن يضمن له الأبدية، ودفع أصواتًا كانت بعيدة حتى عن آذان أصحابها لتتعالى، صوتًا للتركمان، وآخر للأكراد بعد أن عقَد مشكلتهم ومارس تجاهل قضيتهم، وثالثًا للسريان، ورابعًا للآشوريين، وخامسًا للعلويين، وسادسًا للدروز، وسابعًا للسنة، وثامنًا للمسيحيين، وتاسعًا لليزيديين، وعاشرًا للإسماعليين، وحادي عشر للشيعة.

تتداخل الأديان والمذاهب في ذلك بالإثنيات والقوميات، ويغيب معها القمع والفساد والنهب المنظم والطبقات، ومطالب الكرامة والحرية والعدالة، وتصير سوريا أممًا كل أمةٍ متمترسة خلف غيتوها، يحترب بعضهم ضد البعض، والكل ضد الكل، ولكل عشيرة أمة، وتنفرط لوحة الفسيفساء الفريدة بجمالها التاريخي الأخاذ، كأن حقد الحاقدين على جمالها لا يشفى إلا بدعاوى غرائبية، توصل حد جنون التمزيق إلى ذروته، فتدعو إلى إحياء ما اندثر من الخصوصيات والتحَم بالعام المشترك، وتشيع تقطيع حبل اللغة التي توحد معظم الشعب، لعلها تضمن تأبيد هذه الأمم، والقضاء على أي إمكانية لعودة اللوحة السورية الرائعة، أو يُسيّدون لغةً أخرى هي لغة الأمة الغالبة التي، بكل تأكيد، لن تكون سورية أو عربية، بل ربما تكون روسية أو فارسية أو عبرية.

لقد أصبحت كما قال الدكتور البرقاوي إن “معظمها تعبيرٌ عن صراع الجثث، وسيأتي يوم تُدفن فيه لتتشكل على أشلائها هوية الوحدة الجديدة”.

هل يمكن أن تتحول تلك الدعوات إلى وقائع؟

هل يمكن أن يفقد السوريون سوريتهم؟ وأن تفقد العروبة لغتها؟

هل يمكن أن يحل السلام وتعاد اللوحة إلى ماكانت عليه، بعد ما تتعاون تلك الأمم لإعادة تشكيلها بأروع مما كانت ويعود الشعب السوري أمة واحدة؟

هل يمكن أن يعود المفتت شعبًا واحدًا ويتحقق شعار الثورة السورية “واحد واحد الشعب السوري واحد”؟

هل تستطيع نُخب تلك الأمم، التي رفضت ما يرسم الفاسدون لها، أن تقاوم ما أراده لها الأسد وحلفاؤه؟ رافضة تحويلها مداميك لعرشه، وإدخالها بصراعات لا نهاية لها.

لا أحد يملك الإجابة إلا ثوار سوريا، الذين لن يتحولوا بدورهم إلى أمم وإنما سيظلون جديرين بثورتهم وسوريتهم، وهم مع شرفاء السوريين الآخرين وحدهم سيحققون حلم الأمة الواحدة.

تابعنا على تويتر


Top