إيــران… تصدير ثورة أم قمع ثورة…

-بلدي-العدد-الرابع-عشر-الأحد-6-أيار-2012.pdf-Page-1-image-3.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 14 – الأحد – 6-5-2012

 

منذ انطلقت الثورة الإيرانية عام 1979، تبنت إيران مواقف واضحة تتماشى ومصالحها السياسية في المنطقة، وألبست نفسها وثورتها قناع المقاومة وبدأت بتنفيذ مخططاتها الاستعمارية واستعادة نفوذها القديم وبناء إمبراطورية فارسية من خلال اعتمادها على أبناء الطائفة الشيعة الموجودين في العراق وسوريا ولبنان والبحرين والسعودية والضرب على وتر الطائفية لزعزعة استقرار المنطقة وتحقيق مآربها، وكان نظام الأسد من أول داعميها ومشجعيها في الوقت الذي حاربتها دول عديدة منها مصر وتونس اللتين وقفتا في وجه امتداد الثورة الإيرانية في المنطقة.

ومع انطلاقة شرارة الثورات العربية، تجلى موقف إيران الداعم لسياساتها لا مبادئها في تباين مواقفها من الثورات العربية إذ أبدت دعمًا شديدًا للثورتين المصرية والتونسية ورأت فيهما امتدادًا للثورة الإسلامية الإيرانية، وخرجت مظاهرات حاشدة في طهران تأييدًا لهما أدلى فيها كبار القادة الإيرانيين بخطابات «طنانة» منهم الخامنئي، «مرشد الثورة»، من أجل تحقيق مصالح طهران، والتمكن من لعب دور إقليمي بارز في منطقة شمال إفريقيا لكنها وفي الوقت ذاته منعت المعارضة الإيرانية من تنظيم مسيرات تأييد للثورتين المصرية والتونسية، المعارضة التي قمعتها الحكومة الإيرانية بشدة بعد انتخابات عام 2009 وما أعقبها من موجة احتجاجات عمت البلاد آنذاك بقيادة التيار الإصلاحي، حيث قامت الحكومة الإيرانية بعمليات اعتقال واسعة في صفوف الإصلاحيين وقمعت التظاهرات بوحشية وفرضت تعتيمًا إعلاميًا كبيرًا. ولاحقًا بدا الدعم الإيراني أقوى في البحرين حتى أنها قامت بالتدخل المباشر في تحريك الأحداث التي شهدتها المملكة، وعملت على إثارة المشاكل من دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين واعتبرته تصعيدًا عسكريًا، الأمر الذي فاقم الأزمة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ووقفت على الحياد من الثورتين اليمنية والليبية، إذ لم تبد تأييدًا كبيرًا لكليهما.

وحين انطلقت الثورة السورية، كان موقف إيران مناقضًا تمامًا لمبادئ «الثورة الإيرانية» المزعومة، إذ أعلن «نجاد» موقفًا مؤيدًا لنظام «الأسد» ومعارضًا لمطالب التغيير التي نادى بها المتظاهرون السوريون وقدمت إيران أفضل ما تمتلكه من خبرات سابقة في قمع أي محاولة للثورة فيها، لمساعدة النظام السوري على قمع الثورة من خلال دعمها الحكومة السورية على تبني واتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين السوريين، وقامت حسب نشطاء سياسيين إيرانيين وسوريين بإرسال ميليشيا الباسيج إلى سوريا، ومساعدة النظام على تعقب ناشطي المعارضة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت مثل الفيس بوك وتويتر، وبالطبع، قامت بتصدير أساليب قمع حركة الاحتجاجات التي طبقتها في عام 2009 إلى سوريا. ناهيك عن إرسال مستشارين ومدربين إلى سوريا لمساعدة السلطات على قمع التظاهرات والاحتجاجات حيث تبنت سياسيًا التفسير الذي طرحته حكومة الأسد بوجود «مؤامرة كونية» تستهدف سوريا بسبب مواقفها السياسية ومناهضتها لإسرائيل، وأن ما يجري ما هو إلا محاولة «لتصدير الثورات العربية إلى سوريا»، وبأن هناك «مؤامرة صهيونية» لإسقاط حكومة «شعبية وشرعية ممانعة ومقاومة» وتدعم المقاومة في المنطقة، في حين أن الثورات العربية الأخرى هي انتفاضات عربية ضد الحكام المدعومين من الغرب. وعسكريًا قامت منذ بدء الاحتجاجات في سوريا بدعم النظام السوري ماديًا وقدمت له قرضًا بقيمة 6 مليارات دولار كما تستمر في تقديم الأسلحة والذخيرة والخبراء والشبيحة والقناصة الذين يشرفون على تعذيب وقتل السوريين.

ويأتي هذا الدعم الإيراني للنظام السوري من عدة عوامل إستراتيجية وسياسية تعود جذورها إلى عام 1979، حين قام «حافظ الأسد» بتشكيل ما سماه «جبهة الصمود والتحدي» مع إيران، سمح لها ببسط سيطرتها في المنطقة وأدى هذا التزاوج بين الدولتين إلى ولادة «حزب الله» عام 1982 الذي تحركه إيران كيفما تشاء في المنطقة، وازدادت قوة التحالف الاستراتيجي بعد توريث «بشار الأسد» السلطة عام 2000، تلاها توقيع دمشق وطهران اتفاقية للتعاون العسكري الاستراتيجي عام 2006. وبذلك استخدمت إيران سوريا أداة لتحقيق مآربها وغاياتها في المنطقة معتمدة على ذراعها الآخر وهو «حزب الله» الذي يستميت في تحقيق الأهداف الإيرانية في المنطقة.

وإذ تتخوف إيران من نجاح الثورة السورية وخسارة فادحة لنفوذها في المنطقة، فإنها تعمل على مد يد العون للنظام الأسدي بشتى الوسائل العسكرية واللوجستية واختلاق أزمات في المنطقة تطورت مؤخرًا إلى تأجيج النزاع بينها وبين دول الخليج حين قام نجاد بزيارة جزيرة أبو موسى التي تحتلها إيران ثم قامت باستعراض ترسانتها العسكرية من هناك، مما أجج التوتر مع دولة الإمارات ودول الخليج عمومًا لصرف نظر المجتمع الدولي عن القضية السورية وإغراق دول الخليج، التي وقفت إلى جانب الثورة السورية، في مشاكلها الداخلية.  وما هذا النفاق السياسي إلا استماتة في الدفاع عن الحلم الإيراني في المنطقة وتصدير الثورة الإسلامية «الإيرانية» وقمع كافة أشكال الثورات الأخرى التي تتعارض ومشروعها في المنطقة.

تابعنا على تويتر


Top