عجلة الزمن

71.png

حنين النقري – دوما
في الحقبة الماضية من عمر الكون، كانت أبعد سنن الكون ورودًا إلى أذهاننا: انّ للتاريخ عجلة، وأنّها تدور!
بدت لنا الأمور -طويلًا- على حالها، فلسطين محتلّة، العرب إلى مزيد من الضياع والتخاذل، الأنظمة الطاغية تزداد طغيانًا وجورًا، والشعوب مستمرة في الانسحاق تحت وطأة الظلم..
ركن الطغاة إلى هذه الصفحة من التاريخ غير مدركين أنهم كانوا -ربما- آخر سطورها، وأن أوج عزّة البعض كان اللحظة المفضية ﻷكثر أيامه ذلّا وهوانًا!
من كان يعتقد أن عجلة التاريخ لا زالت تعمل؟
غفلنا عنها، اعتقدنا طويلًا أنها ساكنة، لكنها –يا للغرابة- لم تكن كذلك!
على صعيد آخر، ركنّا كبشر إلى الاستهلاك في عصر للاستهلاك، المزيد والمزيد من المظاهر والتقنيات والأجهزة كلّ يوم، في كل يوم اختراع يجعلنا نسأل «وماذا بعد؟» باتت أذهان الناس تتفتّق خيالات تهكّمية عن حالنا المستقبلي في 2050 مثلًا، وسائل النقل، العادات، الطعام، اللباس، وقد أغفلنا في هذا كلّه أن التاريخ لا يدوم على ذات النسق الخطّي، هناك فقط حركة دائرية ترسمها عجلة لا زالت تدور منذ الأزل.. دورانها – عذرًا من الراكنين- يشمل كل شيء.
الواقع في المناطق المحاصرة اليوم ذكّرنا بهذه الحركة الدورانية، لنقول مع كل قديم ننفض عنه غبار القرون «إيييه.. يا زمن»
التقنية  لا زالت موجودة، كل ما اعتدت عليه من نمط حياتك السابق موجود، لكنك ببساطة: لا تستطيع استخدامه!
من كان يتوقع بعد كل بهرج الحضارة أن تعود الأمهات لعادات جدّات جدّاتهم؟
ما كان من أمر يهدد حياتنا، آمنّا بلحظتنا الراهنة ولم نتوقع تبدّلها وتقلّبها.. أي أمر كان سيبعدنا عن كل هذه الأدوات والوسائل والتقنيات والأمور التي باتت أساسية؟
•- الخريف، عاد اليوم فصل تحضير مؤونة الشتاء، ذاك الفصل الطويل القادم، تحضير المؤونة اليوم بوسائل قديمة جدًا، لا آلات كهربائية مُعينة، لا ثلّاجات تحفظ، فقط أيدٍ تحاول تلمّس طريقها للمرة الأولى بعد سنوات من «المعلّبات والكونسروة»، وشمس تجفّف الأطعمة وتحفظها، بطريقة إنسان الكهف الأوّل.
• الاحتطاب، الكلمة التي لطالما أثارت عقولنا الصغيرة في المدارس أمام حديث كان يدرّس لنا في المناهج «ﻷن يحتطب أحدكم خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» شعرنا طويلًا أن «الاحتطاب» مفردة تخص ذاك العصر النبويّ القديم، اليوم تعلّمنا معناها عمليًّا مع أيد تحتطب وتخزّن الحطب للتدفئة والطهي شتاءً.
• الخبز، لم يعد بربطة تشتريها من البائع، بل بات صناعة منزلية مرهقةٍ لأيد لم تعتد إلا العناية والاهتمام.
• المكيفات، المايكرويف، أجهزة الرفاهية والاتصال الحديثة، الموجة المادية التي شملت كل شيء في حياتنا، أين هي اليوم مع «النملية» و”جرة الماء الفخارية” و “صاج الخبز” و»مدفأة الحطب» المجاورة ﻷبهى قطع الأثاث في حجرة الضيوف؟
ليست دعوة لمقاطعة الوسائل الحديثة -بالطبع-
بل هي دعوة للتفكر في ما ركنّا إلية واطمئننا له من نمط حياة لا نعتقد أنّا مفارقوه البتة..
دعوة لشعوب النفط، للتفكير في العجلة الدوّارة.. والتفكر في لحظة دورانها وتحوّل هذه الحضارة النفطية إلى سراب.
دعوة للتقرب من الفطرة، الطبيعة، التراب، الوسائل البسيطة للحياة، التشبث بجوهر الحياة ومحبّتها بعد تفريغها من كل ما أثقلها من قوالب وماديات..
ﻷن الحياة، الإنسانية، الطبيعة، هي الأشياء الحقيقيّة المشتركة الدائمة، في دولاب الحياة الدوّار.

تابعنا على تويتر


Top