حين قررت الحدود إغلاق أبوابها

112.png

عنب بلدي – العدد 81 – الأحد 8-9-2013
11
جموع اصطفت على جانبي الطريق، همهمات وصراخ واعتراك بين معظم الواقفين، حقائب سفر مترامية هنا وهناك، وأطفال أعياها التعب فاتخذت من حقيبة السفر فراشًا، وصراخ يتعالى من عناصر الشرطة اللبنانية كلما ازداد تزاحم الأرتال المصطفة، ونساء في أواخر العمر يفقدن وعيهن ويتساقطن أرضًا من شدة الحر و»الذل» والتعب، منظر لن تنساه أمل (26 عامًا) ما حيت يوم توجهت للمطار عائدة إلى مصر وأخبروها أن «الدولة الشقيقة» قد منعت كل السوريين من دخول أراضيها إلا بموجب تأشيرة دخول وعليها الذهاب للسفارة لطلبها.
داخل السفارة، وبعد انتظار دام ست ساعات تحت لهيب شمس بيروت الحارقة، دخلت أمل وهي تتوقع أن تكون تأشيرتها في اليوم ذاته فموعد طائرتها العائدة إلى مصر كان مقررًا يومها، لكن الأمر استحال صراعًا جديدًا حين أخبروها أن تراجع السفارة بعد عشرة أيام. لم يكن لديها أي أقرباء أو ملجأ تأوي إليه لتمضي عشرة أيام، لكنها كانت محظوظة بما فيه الكفاية حين دعتها صديقتها للذهاب إلى منزل إحدى قريباتها لتقيم هناك بضعة أيام في انتظار التأشيرة التي وصلت بعد عشرة أيام ولكن «مع عدم الموافقة».
لم تكن أمل وحدها من عانت من منعها من السفر، فمئات الأشخاص الذين اصطفوا معها يومها في انتظار دخولهم السفارة قد وصلت تأشيراتهم مع عدم الموافقة ولا تدري أمل أين حطت بهم الأقدار مع وجود أطفال وشيوخ ومرضى بينهم. قصي، هو الآخر كان على موعد عودته إلى مصر حين أخبروه في المطار أن يعود إلى السفارة لطلب تأشيرة دخول إلى مصر رغم وجوده مسبقًا فيها، واضطر للمكوث عند بعض أصدقائه حتى انقضت الأيام العشر، حينها تيقن أن العودة مستحيلة وقرر البحث عن عمل يمكنه من العيش في لبنان فتكاليف الحياة فيها يعجز عنها شاب خرج من بلده نازحًا عندما أجبرته قذائف النظام وقواته على ترك مدينته واختار مصر دولة «شقيقة» لتأويه فكانت أولى الدول التي أوصدت في وجهه كل الأبواب.

أما لإياد (24 عامًا) فحكاية ألم كأنها فيلم من خيال، فقد قرر الذهاب إلى الأردن ليلتئم شمل عائلته ويرى والدته التي حرم تقبيل يدها أكثر من ستة أشهر، حجز بطاقة طائرة واتجه إلى الأردن، وهو يحلم بلحظة ارتمائه على صدر والده ووالدته من جديد، وكانت المفاجأة أن منعته السلطات الأردنية من دخول بلادها دون تأشيرة وبقي رهينة الشرطة في المطار أربعة أيام متواصلة، وخلال شهر رمضان، يوم يأتونه بالطعام وآخر لا، وكان ينتظر أن تفلح جهود عائلته في الوصول إلى «واسطة» ليتمكنوا من إدخاله الأردن، التي كانت سلطاتها تنتظر وصول طائرة من مصر لترحله على متنها «إلى حيث أتى» لتحتجزه السلطات المصرية وتمنعه من دخول أراضيها وليمضي أسبوعًا آخر حبيس المطار قبل أن يحجز تذكرة إلى بيروت ويتوجه إليها، بعد معاناة استمرت قرابة خمسة عشر يومًا رهين المطارين.
عبد الرحمن (أخو أمل)، قرر مغادرة مصر واللحاق بأخته التي منعت من العودة بسبب التأشيرة، عومل في مطار الاسكندرية معاملة «لئيمة»، إذ أخبره الضابط داخل المطار أن معاملة السوريين الطيبة انتهت مع انتهاء حكم «مرسي» وأجبروه على وزن حتى حقيبة اليد (التي لا توزن عادة) وأخذوا منه 130 دولارًا وزنًا زائدً ومنعوه من حملها بيده، وعند ختم جوازه، أخبره الضابط بألا يحلم بالعودة في حال خطى خطوة واحدة خارج المطار، ليرد عليه ابن السابعة عشرة أن دولة أجنبية «بتسوى راسكون» بعد أن تأكد من أن جواز سفره بين يديه وركض نحو البوابة مغادرًا «أم الدنيا».
وعلى أمل عودة المشردين إلى وطنهم، تستمر الدول «الشقيقة» في إغلاق أبوابها في وجه السوريين الذين كانت أبوابهم مفتوحة على مصراعيها لاستقبال كافة أنواع اللاجئين إليها.. من قبيل رد الدين بالمثل.

تابعنا على تويتر


Top