تجنيد الأطفال… إهمال أم قلة حيلة ؟

-الأطفال.jpg

A handout image released by the Syrian opposition's Shaam News Network, shows Free Syrian Army (FSA) militants posing with children in the town of Kfar Nubul, in the northwestern province of Idlib, on June 5, 2012. Clashes with rebels in Syria's western Latakia province killed 22 soldiers on June 5, the Syrian Observatory for Human Rights reported, bringing the day's death toll to at least 47. AFP PHOTO/HO/SHAAM NEWS NETWORK --- RESTRICTED TO EDITORIAL USE - MANDATORY CREDIT "AFP PHOTO / HO / SHAAM NEWS NETWORK" - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS - AFP IS USING PICTURES FROM ALTERNATIVE SOURCES AS IT WAS NOT AUTHORISED TO COVER THIS EVENT, THEREFORE IT IS NOT RESPONSIBLE FOR ANY DIGITAL ALTERATIONS TO THE PICTURE'S EDITORIAL CONTENT, DATE AND LOCATION WHICH CANNOT BE INDEPENDENTLY VERIFIED ---

جودي سلام – عنب بلدي

يتعرض الأطفال السوريون ومنذ بدء الثورة لخطر التجنيد «لتحقيق أهداف مالية وسياسية» من قبل «أشخاص أشرار يسعون الى استغلال الأطفال الضعفاء» حسب وصف الناطقة الرسمية باسم المفوضية ميليسا فليمينغ. ويتزايد هذا الخطر مع تصاعد العنف وانتشار السلاح سواء في مناطق الداخل «المحررة» أم الخاضعة لسيطرة النظام، كما يمتد ليطال أطفال المخيمات.
رصدت عنب بلدي انتشار ظاهرة تجنيد الأطفال في عدد من مناطق الغوطة الشرقية المحررة، وفي مناطق الريف الغربي حيث يستمر النزاع بين الجيش الحر والجيش النظامي. وللوقوف على أسباب هذه الظاهرة وتبعاتها التقت نشطاء ومختصين وأهالي أطفال مجندين.
في مدينة دوما أفاد ناشط سلمي أن الأطفال بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة يعملون مع الجيش الحر، بعضهم تعسكر على الجبهات وعلى الحواجز، وبعضهم الآخر يقوم بنقل الجرحى وقيادة سيارات الإسعاف وتكفين الموتى ودفنهم، وبيع البنزين والمازوت.
وروى ناشط آخر أحد المواقف التي تعرض لها إذ إن طفلًا يحمل سلاحًا على حاجز للجيش الحر في دوما طلب هويته، فسأله الناشط «هل تحمل هوية أنت؟! كم عمرك؟»، فكانت المفاجأة أنه لا يزال في الرابعة عشرة.
فيما ذكرت مصادر أخرى في الغوطة الشرقية أن الجيش الحر هناك لا يمانع التحاق الأطفال بصفوفه، فأن ترى طفلًا في الثانية عشرة من عمره يحمل مسدسًا على خاصرته في السوق بات مشهدًا معتادًا.
وأفاد ناشطون بأن عددًا كبيرًا من الأطفال لقوا حتفهم أثناء عملهم مع الجيش الحر، فيما أصيب العديد أيضًا، ومعظمهم عاود أعماله ونشاطه مع الحر.
وعند لقائنا عددًا من أهالي الأطفال المجندين لاستيضاح موقفهم ورأيهم بشأن تسليح أطفالهم جاءت ردود الأفعال متباينة. بعض الأهالي عبروا عن فخرهم بأبنائهم، حتى أن إحدى الأمهات قالت لعنب بلدي «هذا الطفل، الذي لا يعجبك، يطلق النار أفضل منك، إنه أشجع منك». في حين عبر آخرون عن قلقهم على أطفالهم، وعدم رضاهم عما انخرطوا فيه، إلا أنه «ما باليد حيلة»، فأطفالهم لا يلقون لكلامهم أي اعتبار.
أنس، الذي يفترض أن ينهي هذا العام تعليمه الأساسي، ترك دراسته والتحق بالجيش الحر في داريا. تقول أم أنس بأن ابنها كان يهرب من المدرسة خلال السنة الماضية، ليجلس مع «الكبار» من شباب الجيش الحر، وأنه كان مستعدًا ليعمل أي شيء معهم. وعند نزوحهم من داريا نزح أنس معهم، إلا أنها استيقظت ذات صباح لتجده قد التحق بالحر دون علمها، وهي الآن قلقة جدًا عليه، فهي لم تره منذ ستة أشهر، ولا تعلم كيف سيتابع تعليمه لاحقًا.
وكثيرة هي الحالات التي يهرب فيها الأبناء من أهاليهم ليلتحقوا بالجيش الحر؛ حسام ذو الأربعة عشر ربيعًا ترك أمه وهرب من البيت بعد اعتقال والده ليلتحق بالجيش الحر في داريا. أم حسام خائفة على ولدها، ولا تزال غاضبة من تصرفه. تقول أم حسام أنها تكلم ابنها يوميًا وتطلب منه العودة، لكنه يخبرها أن المدينة محاصرة وليس هناك طريق للخروج.
ويوضح أحد أعضاء المكتب الاعلامي في داريا بأن الجيش الحر كان يرفض ضم الأطفال تحت الثامنة عشرة إلى صفوفه، إلا أن طفلًا في الثانية عشرة من عمره ألح كثيرًا على الانضمام إليهم، وبعد أن رفضوه عدة مرات أوكلوا إليه أعمالًا عادية في أحد الأقبية. وواصل الطفل إلحاحه للذهاب إلى الجبهات إلى أن تم تعينه على حاجز استهدفته قذيفة أودت بحياة الطفل.
ويعود تجاوب الأطفال لحملات التجنيد وإلحاحهم على الانضمام لصفوف الجيش إلى ثقافة السلاح المغروسة فيهم. فكثيرًا ما قام الأهل بتصوير أبنائهم مع الأسلحة، حقيقية كانت أم مزيفة، ليفخروا بهم ويتباهوا أمام جيرانهم وأقربائهم؛ وكثيرًا ما حُمّل الأطفال سلاحًا وصُوّروا معه ليُستغلوا اعلاميًا.
ويرى البعض أن المخاطر المحيطة من حالات خطف واعتداء وغيرها خلال هذه الأزمة، تدفع الطفل ليظن أن حمل السلاح يزيد من ثقته بنفسه ومن قدرته على الدفاع عن ذاته، وتجعل منه بطلًا في المواقف الحرجة. وبذلك تنتشر ظاهرة حمل الأطفال للسلاح بدعم من عقول وجهات عدة تختبئ وراء قناع «الدفاع عن النفس والوطن».
وتدفع الجرأة والاندفاع التي يظهرها الأطفالُ الأهلَ والجيش الحر إلى تسليحهم وعسكرتهم، غافلين، أو غير آبهين، بالانعكاسات النفسية الجسيمة التي يسببها حمل السلاح على هؤلاء الأطفال ناهيك عن تعريضهم للخطر بشكل أكبر. ويحدثنا عن ذلك أحد الأطباء النفسيين، إذ يشير إلى المفارقة بين السلام والعنف، بين الطفل والسلاح الذي يحمله، ففي الوقت الذي يمثل فيه الأطفال أحد أبرز رموز السلام، يمثل السلاح العنف بحد ذاته؛ وينبه الطبيب إلى أن «هناك عواقب نفسية كبيرة عندما تمزج الطفولة بالسلاح» وإلى الآثار النفسية السلبية على الطفل «إذ إن الرادع لم يعد الضوابط الاجتماعية، وإنما السلاح الذي يكسر كل الضوابط والروادع التي يجب أن نربّيها عند هذا الطفل … فالسلاح يعطي للطفل السلطة المطلقة على الجميع، الأمر الذي لا يبشر خيرًا». ويضيف الطبيب أن تعزيز هذه الثقافة وهذا التسلط عند الطفل يؤدي لردود فعل عنيفة، وحين نربيه على شريعة السلاح «كأننا نربيه على الخروج من الأطر الاجتماعية إلى نظام قبلي…وهذا يدفع بالطفل للإجرام».
في الوقت الذي تعي فيه الولايات المتحدة الأمريكية، واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم، تبعات حمل السلاح وتدأب على البحث في مجال علم النفس العسكري، والطب النفسي العسكري، لتحمي مجنديها، الذين تجاوزا مرحلة الطفولة، من الآثار السلبية لحمله، نقف نحن متفرجين، إن لم نكن مهللين، على أطفالنا يُحمَّلون السلاح ليسلبهم تعليمهم، ويؤذي نفسياتهم ويدمر مستقبلهم.

تابعنا على تويتر


Top