التجارب.. مفترق طريق

73.png

طريف العتيق

يمكن أن نلخص حياتنا على أنها مجموعة من التجارب والأحداث، ندخل بعضها بمحض قرارنا الشخصيّ، بينما نتصادف ببعضها الآخر دون إرادةٍ منّا أو رغبة، فما الذي يحدّد مصيرنا؟ هل يمكن لبعض التجارب العشوائيّة التي لا دخل لنا بها، أن يكون لها أكبر سلطانٍ علينا في تحديد منظومتنا الفكريّة، وطبيعة مزاجنا النفسيّ، وحتى سلوكنا وطريقة معاشنا، ومستوى دخلنا؟ ألم يصدف بأن يسجن البعض ظلمًا أو بغير حق، فيقضي في السجن عشرين عامًا من أينع سني عمره؟ ما ذنبه حتى تتعطّل دراسته، حياته، مستقبله، ويخسر عشرين عامًا من معاشه؟ وهذا آخر فقد بيته بقذيفةٍ، عشوائيّةٍ كانت أم مستهدفة، لم يكن له في كلّ ما حدث ناقةٌ ولا جمل، وها هو ذا يخسر بيته، وجنى عمره، وتعب أيامه، وذكريات شبابه، ويصبح مشردًا بلا مأوى، كيف للقدر أن يعيد رسم كلّ شيء، لنغدو ريشةً في مهبّ ريحه.. وهنا شابٌ اضطّر للسفر بعد أن أصبح ملاحقًا من أجهزة أمن تتهمه بإزعاج الطغاة، فيترك جامعته، وحيّه، وأصدقاءه، ليذهب إلى بلدٍ لا يعرفُ أحدًا فيه، كيف له أن يخسر كلّ شيء بلحظةٍ واحدة، لم يقرّرها، ولم يكن له فيها دخل، ليجد نفسه في دوامةٍ من التيه والضياع والتشتت..
أهي التجارب العشوائيّة إذًا التي تصيغ حياتنا؟ أم للحقيقة مقولةٌ أخرى؟
يبدو أن الكلام السابق، رغم عاطفيته الواضحة (أو بسببها) لا يصمد أمام المناقشة المنطقيّة، فإذا كانت التجارب هي التي تصنع انطباعاتنا الفكريّة ومزاجنا النفسيّ وسلوكنا الحياتيّ، فلم نلاحظ اختلافًا كبيرًا بين شخصيّن مروّا بذات التجربة؟
صديقان في مطلع شبابهما، سُجنا – دون جرم، وبطريق العشوائيّة – في أحداث الثمانينات، ورُميا في سجن تدمر، وعوملا بذات الطريقة.. ننظر إلى حياتهما اليوم، لنجدهما في قمّة التناقض!
الأوّل صار تاجرًا كبيرًا، يجني في الشهر أضعاف ما يجنيه المهندسون، درس في سجنه الدين والحياة، والسياسة والاقتصاد، فخرج بعقلٍ واعٍ وذهنٍ ثاقب لا تجده عند معظم خريجي الجامعات، تزوّج، وأسس أسرة صغيرة، لا تجلس معه مرة، إلا وتنسى همومك من خفّة ظلّه، ونكته الحاضرة، ونفسه المرحة.
بينما تجد الآخر مثالًا لعكس ذلك، فما إن تجلس معه، حتى يفتح لك ملف سجن تدمر، وما لاقاه من تعذيبٍ جسديّ ونفسيّ، وكيف أمضى أيامه ولياليه بحنينٍ للأهل، وقهرٍ نفسيّ، وعذابٍ جسديّ، وقد خرج اليوم، بلا شهادة، ولا عمل، يبحث عن امرأةٍ تناسبه ولا يجد.. ولا يبدو أنه سيجد!
فها هما قد مرّا بذات التجربة «العشوائيّة»، فكيف خرجا مختلفين كلّ الاختلاف عن بعضهما؟!
ببساطة فإن حياة الإنسان ليست رهينة التجارب العشوائيّة التي تعترضه، ولم يخلقه الله ليكون كذلك، صحيحٌ أن التجارب التي نمرّ بها كثيرًا ما تكون خارج خيارنا وإرادتنا، لكن ليست هي التي تحدّد مصيرنا، بل طريقة تفاعلنا معها وتفسيرنا لها هي التي تحدّد المصير، ردّة فعلنا تجاه الأحداث والتجارب هي الحكم النهائيّ، في انعكاس التجارب علينا، لا التجارب عينها.
نعم كثيرًا ما لا يكون بالإمكان التحكّم بمجرى الحياة، لكن لا يزال لدينا قمة حريّة الجنس البشريّ، باتخاذ ردّة فعل مناسبة تجعل من أصعب الأحداث، أعظم تجارب تسهم في صقل شخصيتنا ومهاراتنا.

تابعنا على تويتر


Top