نازحو الريحانية أجساد منفية وأرواح تنازع في الوطن

93.png

لمى الديراني – عنب بلدي
حيثما انتقلت بناظريك تجد سوريًا يسير في شوارع الريحانية (جنوب تركيا)، أطفال ونساء وشباب وشيوخ، على وجوه بعضهم ترى قليلًا من الراحة المالية، أو على الأقل، لا يحتاجون مساعدة من أحد، بينما يلوح التعب والحاجة وجوه المئات منهم، كثيرون هربوا من جحيم براميل الـTNT  التي تلقيها طائرات النظام على مدنهم وقراهم بثيابهم التي يرتدونها، ولضيق الأحوال الاقتصادية في الداخل، وبسبب استغلال أهل الريحانية للقادمين الجدد، وجد النازحون أنفسهم مضطرين للبقاء في بيوت متواضعة، لا يشغل تفكيرهم سوى كيف سيتمكنون من توفير أجرة البيت للشهر القادم.
أم محمد، سيدة في الأربعينيات، وأم لثمانية أطفال وزوجة شهيد من ريف إدلب، تتشح بالأسود لباسًا يفسر ما في داخلها من حزن وتشرد، تركت قريتها بسبب القصف وبعد أن استشهد زوجها، وترك لها وراءه ثمانية قطع لحم صغيرة، أتت إلى الريحانية مع والدها ووالدتها العجوزين ، فكان أن دفع لها رجل «تركي» أجرة الشهر الأول وتفكر اليوم بوسيلة تؤمن بها أجرة المنزل للشهر القادم. لم يقتصر همها على تأمين أجرة المنزل، فوالدتها ذات الثمانين عامًا والمصابة بعجز شبه تام، بحاجة للعلاج والدواء، لكن ألمها لا يوقفه دواء، فحزن فراق منزلها يكوي قلبها، وبعينيها الزرقاوتين التي امتلأت بالدموع «يا خالتي قد ما أخدت دوا ما عم استفيد، طول الليل ما بنام، الكسر القديم مكلس والدكاترة ما نصحوني يكسرولي العضم من جديد».
في حارة أخرى، وجوه يملؤها التعب، نازحون وجدوا لأنفسهم مأوى في بيوت متواضعة جدًا، افترشوا فيها الأرض، وإن وجدوا حصيرًا يقيهم حر اليوم أو برده فهم محظوظون جدًا، وإيجارات البيوت حدّث ولا حرج، فأسعارها، رغم وضاعة البيوت المستأجرة، مرتفعة جدًا ولا يتحملها «نازح» ترك البيت والمال وهرب من قصف الطائرات وبراميلها.
في أحد البيوت، أم مصطفى، سيدة في الخمسينيات من عمرها، تتذكر بيتها في ريف إدلب بكل تفاصيله، بيت المونة والأثاث، ثم تعود لذاكرتها أصوات طائرات الميغ عندما كانت تغير على بلدتها فتمطرها براميل متفجرة وتسرق أرواح أناس عزيزين على قلبها، وكيف تركت «الضيعة» ولجأت إلى الريحانية وتفاصيل الحياة في الوطن لا زالت تلاحقها كطيفها، «إيمتى يا الله بدنا نرجع؟ دخيلك يا الله» هي العبارة التي ترددها كما تردد تسبيحاتها اليومية مذ وصلت إلى الريحانية قبل شهر تقريبًا مع كنّتها الحامل وحفيديها، تاركةً قلبها وراءها مع باقي أبنائها وأولادهم هناك تحت «ألطاف الله».
على مقاعد الحدائق في غازي عنتاب التركية، تجد بعض الأمتعة مرتبة فوق بعضها البعض، بعض الأغطية لعائلات لم تجد مأوى يأويها ذل التشرد غير الحدائق العامة، مقعد يحوي كافة الأغطية والأمتعة، مغطى بشرشف يخفي ما تحته، وأطفال ونساء ورجال يفترشون العراء ليلًا ويتخذون من الحديقة بيتًا ومأوى، لكن الشتاء بدأ يطرق الأبواب، مضيفًا إلى المأساة مأساة من نوع آخر.
أم أيمن، سيدة في أواخر الثلاثينيات من عمرها، يبدو على ملامحها عز قديم قد استحال خاطرًا مكسورًا بعد هجر الدار والوطن، تركت الممسحة جانبًا وأنصتت لحديث يدور حول المدارس والتعليم، وبلهفة سألت الشاب «الله يرضى عليك يا خالة ابني بالحادي عشر بدي سجلو بالمدرسة فيك تدلني وين وكيف؟» كلماتها خرجت من حرقة دخلت عامها الثاني، فكيف لقلب الأم أن يحتمل أن مستقبل فلذة كبدها يتبخر كل دقيقة، أخذت رقم الهاتف ولكن المصيبة، كيف سيخبرها بوجود مكان لابنها أم لا، احتارت بإيجاد صفة للحديث مع ابنها الذي لا يعلم أن والدته تعمل منذ مدة في تنظيف «المكاتب والمنازل» لتطعم أطفالها وتدفع أجرة البيت وإن علم ابنها المراهق بعملها الحالي فسوف «يخرب الدنيا».
وليس ببعيد عن موضوع الدراسة، وفي إحدى المدارس التركية، طوابير اصطفت لتسجل أولادها في المدرسة، وتخترق تلك الطوابير امرأة في الأربعينيات من عمرها يلتف حولها أطفالها، اقتربت من القائمة على التسجيل وهمهمت بصوت منخفض: «بقدر سجل بنتي تاخد الكتب وتدرس بالبيت؟ يعني بيصير ما تداوم؟» فردت الشابة خلف الطاولة: «لا يا حجة لازم تداوم» فانسحبت المرأة وطفلتها تدريجيًا وهي تقول: «منشان المية ليرة تركي ما فيي ادفعها لحتى خليها تداوم».

تابعنا على تويتر


Top